معركة التحرير في تجربة أبطال محرّرين : المقدمة
بعد أكثر من سنة على حرب إبادة جماعية بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، بدأت عملية تحرير أسرى فلسطينيين مقابل الصهاينة، على دفعات (2025).
في يوم السابع من أكتوبر 2023، أقدمت المقاومة الفلسطينية بقيادة كتائب الشهيد عز الدين القسام (الجناح العسكري لحركة حماس) على العبور الى ما يسمى "غلاف غزة" حيث تتمركز قوات العدو الصهيوني (فرقة غزة)، وتمكّنت من خطف المئات من الجنود الصهاينة من رتب مختلفة، بغية التفاوض لاستبدالهم بأسرى فلسطينيين، لا سيما المحكومين بالمؤبدات.
بعد أكثر من سنة على حرب إبادة جماعية بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، شنّها العدو الصهيوني بمساعدة الولايات المتحدة ومعظم الدول الأوروبية وبعض الدول العربية والإسلامية، التي وفّرت له السلاح والمال والبشر والإعلام والسلع لمواصلة حربه المتوحشة، بدأت عملية تحرير أسرى فلسطينيين مقابل الصهاينة، على دفعات (2025). لقد تم تحرير عدد كبير من الأسرى، منهم من عاد الى أهله في الضفة الغربية والقدس، يعيشون تحت التهديد الصهيوني اليومي، وقد أعاد جيش العدو اعتقال البعض منهم، ومنهم من عاد الى قطاع غزة المدمّر ليجدوا غالبا أن أفراد عائلاتهم استشهدوا خلال الحرب الهمجية وأن لم يعد لهم بيوتا تأويهم. وخلال المفاوضات عبر الوسطاء، أصرّ العدو الصهيوني على إبعاد عدد كبير من الأسرى المقاومين المحكومين بالمؤبدات. اليوم، يعيش هؤلاء الأسرى المحرّرون المبعدون إما في تركيا التي وافقت على استقبال عدد منهم، إما في مصر التي كانت المحطة الأولى لهم، وقد تكون الأخيرة بسبب رفض بعض الدول العربية استقبالهم، كتونس والجزائر مثلا.
لقد أجريت مقابلات في القاهرة (12/2025)، مع 6 أسرى من بين هؤلاء الأبطال المبعدين، ينتمون الى حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين.
تمحور الحوار مع الأسرى المحرّرين حول تاريخهم النضالي في فلسطين قبل الاعتقال الأخير، ونضالهم في السجون الصهيونية، وآرائهم في عدد من الأمور : المقاومة وتقييم آدائها، تشكيل الوعي، الانتماء السياسي، الوحدة الوطنية وغيرها. لكل مقاوم شخصيته الخاصة، رغم انتماء جميعهم لحركة جهادية واحدة ولجغرافيا واحدة (شمال الضفة الغربية) وبقاءهم في السجون الصهيونية لفترة طويلة، من 23 الى 29 سنة، وهذا ما يتضح في الحوار حيث ينطلق المقاوم المحرّر من اهتماماته وأفكاره وتجربته الخاصة ليتحدث عن الوضع الحالي.
بعد الحديث عن تجربتهم النضالية قبل الاعتقال، ركّز البعض على تجربة السجن، والآخرون على العلاقة مع التنظيمات الأخرى، وغيرهم على معنى انتماءهم التنظيمي، وأبدى الجميع آرائه حول الوضع الحالي وكيف يمكن مواصلة المعركة وأملهم بالتحرير.
ينتمي المحرّرون الى شمال الضفة الغربية، وتحديدا الى بلدة عرابة في محافظة جنين والى بلدة صيدا في محافظة طولكرم. اعتقل معظمهم خلال انتفاضة الأقصى، إلا المحرّر محمود العارضة الذي اعتقل في فترة ما بين الانتفاضتين. تم الحكم عليهم بالمؤبد أو أكثر، وخلال اعتقالهم، تنقلوا من سجن الى آخر كباقي الأسرى، وكانوا قد اعتقلوا أكثر من مرة في السجون الصهيونية قبل اعتقالهم الأخير، واعتقل معظمهم في سجون السلطة الفلسطينية، ومنهم أكثر من مرة.يظهر الحوار مع المحرّرين أهمية السجن كمكان للالتقاء وبلورة الانتماء الى حركة الجهاد الإسلامي، من ناحية، ومن ناحية أخرى، كمكان لتمكين العقيدة وتطوير الفكر والتخطيط لمواصلة المسيرة الجهادية بعد التحرّر من الأسر، أكان في سجون العدو الصهيوني أم في سجون السلطة الفلسطينية. لقد انتمى بعضهم الى الحركة خلال اعتقالهم الأول، وخلال اعتقالهم من قبل السلطة الفلسطينية، كانوا يناقشون ويتبادلون الآراء ويخططون للمرحلة القادمة (انتفاضة الأقصى)، ما مكّنهم بالتقاط اللحظة المناسبة للانخراط في الانتفاضة وبدء العمليات الجهادية.
يذكّر الحوار مع المحرّرين حول العمل المقاوم بأخوانهم الشهداء الذين ارتقوا خلال المواجهات مع قوات الاحتلال، ولكل شهيد تاريخ وموقع وأثر في وجدان الشعب الفلسطيني والأمة. وكان قد صرّح القائد زياد النخالة عن أهمية الحفاظ على آثارهم : "ونحن نحفظ أسماءهم، ونحفظ وجوههم، ونحفظ وصاياهم، وسنحمل أسماءهم وألقابهم وأحلامهم، جيل بعد جيل" (2023).
يذكّر أيضا الحوار مع المحرّرين ببدايات العمل المقاوم لحركة الجهاد الإسلامي في الضفة الغربية، مع الشهيد عصام براهمة. رغم تنفيذ بعض العمليات (طعن واشتباك مسلّح) بعد انطلاقة الحركة في 1987 والتي كان لها علاقة بالسجن والهروب (عملية الهروب الكبيرة من سجن غزة المركزي في 17 مايو/أيار 1987 بقيادة الشهيد مصباح الصوري)، فكانت البدايات في الضفة الغربية بالتوازي مع قطاع غزة ("قسم" بقيادة الشهيد محمود الخواجا) والداخل المحتل عام 1948 (عملية معسكر جلعاد) وساحة اللجوء (منها عملية الحولة في 6/4/1992)، بداية التسعينيات، كما يمكن ملاحظتها من خلال العمليات الجهادية وارتقاء الشهداء ما بين انطلاقة الحركة وقبل انتفاضة الأقصى (1987-2000).
"ونحن نحفظ أسماءهم، ونحفظ وجوههم، ونحفظ وصاياهم، وسنحمل أسماءهم وألقابهم وأحلامهم، جيل بعد جيل"
آمن المقاومون المحررون بحتمية تحرير فلسطين، من منطلق ديني وسياسي وتاريخي، بسبب أحقية الشعب الفلسطيني بأرضه وخيراتها وبحريته، وأحقية الأمة وشعوبها بالعيش بسلام في بلادها. رغم الانتكاسات المرحلية، السياسية أو العسكرية، تبقى المقاومة بكافة أشكالها الطريق الوحيد لمواجهة الظلم والظالمين وتحرير فلسطين.
انتقل معظمهم من حركة فتح الى حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، لسبب واحد رغم تعدد المناسبات، وهو إنزلاق حركة فتح باتجاه التسوية والتخلي عن هدف تحرير فلسطين. لقد تم هذا الانتقال في السجن أو قبل الاعتقال بقليل، لكن لم يمنع هذا الانتقال من العمل الى جانب عناصر من حركة فتح، وخاصة مع كتائب شهداء الأقصى، خلال انتفاضة الأقصى وما زال الى يومنا هذا. انحصر الخلاف في الإطار السياسي، وتجلى في عدم الاشتراك في الانتخابات النيابية رفضا لاتفاقيات أوسلو وما نتج عنها. من هنا تأتي أهمية الحديث عن مفهومي العمل السياسي والوحدة الوطنية، والرفض القاطع لحسم الخلافات بالسلاح.
الخلاف مع المنظمات الفلسطينية الأخرى، رغم العمل الميداني المشترك خلال مواجهة العدو، يعود الى أعمق من القراءات السياسية للواقع والاصطفاف الحزبي. فهو خلاف على النظرة الى العالم والى الصراعات من أجل الهيمنة، وعلى قراءة التاريخ، وعلاقة الإسلام كعقيدة وتاريخ بالصراع مع الصهاينة والاستعمار بشكل عام، وعلاقة المسلمين مع مكوّنات المجتمع الواحد. فالتعبئة الفكرية والعقائدية المبنية على مواجهة العدو الميدانية، في السجن وخارجه، تصنع الأجيال الواعية لتحمّل مسؤولياتها في معركة التحرير، تحرير الأوطان وتحرير الإنسان.
لم ينته دور المقاوم عند اعتقاله، كما يقول المحرّرون، ولا يتوقف منسوب الوعي عبر الممارسة، بل يرتفع من خلال التحدي اليومي للسجان، الممثل للمنظومة الاستعمارية بكل أدواتها القمعية، الناعمة والخشنة. لهذا السبب، عندما تستمع الى الأبطال المحرّرين بعد عقود من الأسر في سجون بني صهيون، تشعر بعمق التجربة التي خرجوا منها، والتي لا يمكن أن يحصل عليها إلا من قاوم وواجه أشرس منظومة استعمارية في العالم وجاهد في الوقت ذاته لرفع منسوب وعيه والمحافظة على انسانيته.
كثرت في الآونة الأخيرة المقابلات المصوّرة مع أسرى محرّرين (طوفان الأحرار، وفاء الاحرار وقبلهما) تحدثوا عن تاريخهم النضالي قبل الاعتقال. تندرج هذه المقابلات المكتوبة ضمن هذه السردية لتاريخ المقاومة في فلسطين، والتي غابت لعقود من الزمن بسبب الأسر.
لقد تم ترتيب النصوص حسب تاريخ الاعتقال الأخير (من 1996 الى 2003).