مع المحرّر ثابت مرداوي
ولد ثابت عزمي سليمان مرداوي في بلدة عرابة في 21 /7/ 1976. اعتقل في يوم11/ 4/ 2002، أثناء ملحمة مخيم جنين. بعد 23 عاما، يسرد المحرّر ثابت مرداوي تجربته ويحاول تقييم الوضع الحالي
السياق التاريخي : الانتفاضة الأولى
"جئت في سياق كانت تتفتح فيه حركة الوعي الفلسطيني بشكل مكثف من ناحية إعطاء أهمية للداخل، أي نقل الفعل الفلسطيني من الخارج الى الداخل. وتجلى هذا في الانتفاضة الأولى، بمعزل عن أسبابها ودوافعها، أي السواعق التي أدّت الى تفجيرها. في السياق العام، كانت الانتفاضة تعبير عن رد على فشل المقاومة الفلسطينية المسلّحة في الخارج، على أثر هزيمة 1982، وخروج المقاومة الفلسطينية من لبنان. فكانت القناعة بضرورة أن يأخذ الشعب الفلسطيني في الداخل زمام المبادرة، على اعتبار ان فلسطين هي ساحة المواجهة الحقيقية، ولا بد ان يقوم الشعب الفلسطيني بالداخل بأعباء المقاومة بالفعل. بتقديري، هذا المعنى الأهم للانتفاضة الأولى.
مراحل تشكل الوعي بطريقة حقيقية صيغت في الانتفاضة. كانت تداعياتها عليّ مهمة، أجواء المقاومة، الاحتلال ورفضه، معاني الحرية والرغبة في الحرية، الرغبة في التخلّص من الاحتلال
ترعرعتُ وتفتح وعيي في هذا الأطار، في ظل أجواء الانتفاضة الأولى. في البداية، كنتُ كغالبية الناس المنخرطين بشكل أو بآخر بأعمال المقاومة، بالشعارات والمظاهرات وإلقاء الحجارة، في بلدة عرابة، بمناسبات مختلقة. كنا نحافظ على اشتباك دائم مع الاحتلال، من باب إبقاء الشعلة قائمة، ومن باب استنزاف الاحتلال وتوزيع قدراته وجنوده على كافة جغرافية الضفة الغربية. في هذا السياق، أنمو وأشكّل الوعي عندي وأعيد ترتيب في ذهني مسألة فلسطين. عندما بدأت الانتفاضة كان عمري 11 سنة، ولكن الانتفاضة استمرت، ومراحل تشكل الوعي بطريقة حقيقية صيغت في الانتفاضة. كانت تداعياتها عليّ مهمة، أجواء المقاومة، الاحتلال ورفضه، معاني الحرية والرغبة في الحرية، الرغبة في التخلّص من الاحتلال، هذا الذي صاغ بواكير وعيي كفتى في مرحلة الشباب.
في العام 1992، كان واضحا ان الانتفاضة تأفل، ذاهبة باتجاه النهايات. وخلال 4 او 5 سنين، وذهني يتشكّل ضمن الانتفاضة، لم أكن أتخيّل، على المستوى الشخصي والنفسي، أن تصل الانتفاضة الى نهاياتها دون تحرير فلسطين. قد يكون هذا التفكير طفوليا، ساذجا، أقرب الى المنطق الفطري من المنطق الواقعي. كنت متخيّل أن الانتفاضة ستحرّر فلسطين. في 1992، كانت الأمور واضحة ان الانتفاضة في طريقها الى النهاية، دون تحرير فلسطين. في اللاوعي، وما زلنا شباب صغار، بدأنا نفكر، وعمرنا حوالي 15 سنة، وكنت يومها في حركة فتح، بدأنا نعمل على أساس ان النضال مستمر. ذلك يتطلب جهودا وامكانيات، كنا عشرة أو عشرين شاب.. كانت مهمّة صعبة، خصوصا لفتية صغار، ليسوا كوادر أساسيين ولا ينتمون الى أطر تنظيمية كبيرة. كانت هذه الجهود أقل من أن تعطي زخما إضافيا للانتفاضة.
الابتعاد عن حركة فتح
بالنسبة لحركة فتح، أذكر تماما كيف تم التحوّل عنها، فكانت "فتح" مهيمنة على المشهد الفلسطيني، في البيت والحارة والجيران، حتى مجتمعيا. كان الحضور الأقوى لها، مع وجود تيارات يسارية، لكن منطق التنشئة والتربية لديّ كانت بعيدة عن التيارات اليسارية، دينيا، وليس سياسيا، ما أدركته لاحقا.
كنا في 1988 نكتب شعارات على الحائط "لا ل242"، وكان بالتحديد يوم 15/11/1988. وحصل ذلك بالصدفة مع "اعلان الاستقلال" في الجزائر. كنا نكتب على الحائط، وأذّن علينا المغرب ونحن نكتب، خلّصنا الكتابة وذهبنا الى بيوتنا. كنت مدمنا بمتابعة الأخبار، كنت أسمع أخبار، حتى وأنا صغير كنت آخذ الراديو معي الى المدرسة وعند نشرة الأخبار، نضعه بالدرج ونسمع الإذاعة بواسطة السماعة. كنت اسمع البي بي سي ومونتي كارلو. سمعت الأخبار، فجاء الكلام عن إعلان استقلال، وعرض (ياسر)عرفات وثيقة الاستقلال طارحا قضايا جديدة في الإعلان وموافقته على 242. لم يكن لدي صورة واضحة والمعرفة حول 242 في ذلك الوقت..
أدركت لاحقا، عندما قرأت، ان فترة التراجع السياسي لدى الفلسطينيين كانت قد بدأت في 1968، حول الوطن العلماني، ثم البرنامج المرحلي الذي طرح في 1974، وكان الاعتراف بمنظمة التحرير من قبل الدول العربية في العام 1974 لا بد أن يكون له ثمنا سياسيا يقدمه الفلسطينيون.
لم أكن أدرك ذلك في تلك الأيام، أن لا دخول فلسطيني الى الجامعة العربية إلا مع موافقة قوانين الجامعة العربية، كما لم أكن مدركا لتداعيات والحراك الذي كان في الثمانينات لبعض الأطراف الفلسطينية والإسرائيلية حول حل الدولتين. لم أكن أدرك كل ذلك. كنت أفهم شيئا واحدا، "لا ل242"، ماذا يكون 242 لا أعرف، لكن نحن رافضون لهذا القرار عندما عدت الى البيت وسمعت الأخبار التي تحدثت عن مؤتمر الجزائر، والمجلس الوطني، وإعلان الاستقلال.
وكان الاعتراف بمنظمة التحرير من قبل الدول العربية في العام 1974 لا بد أن يكون له ثمنا سياسيا يقدمه الفلسطينيون
وفيما بعد، ذهب عرفات الى الأمم المتحدة، وقدّم أوراق اعتماده للمنظومة الدولية، التي في جوهرها الاعتراف ب"إسرائيل" والتنازل عن المقاومة. عندما أعلن "نعم ل242"، أنا كنت "فتح"، وهو مسؤول فتح، قلت بنفسي ما هي القصة ؟ نحن نقول "لا ل242". استيقظت ثاني يوم، وكنت أعرف أحد مسؤولي فتح، تخيّلت أنه يفهم هذه الأمور أكثر مني، سألته سؤالا بريئا عن الموضوع، لم يكن يعرف. في تلك الأيام، كانت مصادر المعلومات قليلة. في منطقة عرابة، حيث كانت فتح والجبهة الشعبية، التي كان لها حضور قوي في عرابة، لم أجد أحد يجاوبني على تساؤلاتي حول 242.
توجهت الى مكتبة المدرسة لأجد الجواب، فلاحظت يومها ان كل كتاب له علاقة بالسياسة مشطوب، ومكتوب مكانه "تم مصادرته بقرار الحاكم العسكري". معنى انه كان القرار أن لا تقرأ الناس ولا توعى سياسيا، أي كتاب فيه كلمة سياسة كان مصادرا. من أين لي أن أعرف ؟ حتى في الجرائد التي تكتب عن 242 لا تفصّل محتواه، بقي السؤال مفتوحا، لا أحد جاوبني عليه، حتى العام 1992، وجدت الجواب في كتيب صغير حول 242، يعرض النص، والخلاف حول النص والصيغة البريطانية والفرنسية، ومسألة آل التعريف التي أدخلونا فيها على أساس نذهب اليها وننسى الجوهر، تداعياته ومعانيه. هذا القرار أساسا وتلقائيا يضمن حق "إسرائيل" بالوجود ويتنازل الفلسطينيون عن الأراضي المحتلة عام 48.
عندما رأيت هذه الصيغة، وأن فتح وافقت عليه، قلت يومها "لكم دينكم ولي ديني" بالمعنى السياسي. يعني أنني لن ابقى ب"فتح"، لأنني لا استوعب نهائيا أي طرح له علاقة بتنازل عن أي ذرة من تراب فلسطين.
الانضمام الى حركة الجهاد الإسلامي
خياراتي موجودة، أنا أعمل، ناشط، أحب أن أقاوم، ومدرك لأهمية وجود تنظيم ينخرط فيه الشخص للعمل. وأمامي فتح واليسار بمختلف تياراته.
كانت حركة حماس موجودة في البلدة، وكنت أعرف الأخوان المسلمين قبل حماس، لأنني كنت من المميّزين في المدرسة من ناحية التحصيل العلمي والنتائج والدرجة الأولى الخ.. كان هناك نوع من استهدافي من قِبلهم، يأخذونني الى المساجد والجلسات الدعوية، لكن لم أكن مقتنعا بالانخراط في هذا الخط.
هنا أتكلم بمنطق اللاوعي. في 1986، حصل أمامي مشهد يفسّر ذلك. كان لدي بالفطرة انتماء عال جدا الى فلسطين، حتى قبل أن أعرف ما هي فلسطين، ودون معرفة مسألة العلاقات الدولية وموازين قوى. كانت لفلسطين مكانة خاصة لديّ. خلال التنقّل أحيانا في الضفة الغربية، كنا نمرّ على حواجز عسكرية "إسرائيلية". رأيت يوما شابا يحمل كتيّبا صغيرا أخبئه بالبنطلون عندما اقتربنا من الحاجز. بعد المرور، أخرجه فانتبهتُ أن مكتوب عليه : "لبيك يا افغنستان"، لا أذكر الاسم بالتحديد. اكتشفت انها مجلة يوزعها الأخوان، طلبت منه نسخة، أعطاني واحدة، تتكلم عن افغنستان، الاحتلال السوفياتي والمقاومة في افغنستان.
بالنسبة لي، كفلسطيني، حصلت حرب عام 1982، وكان عمري 6 سنين، كنت أعتبر أن حاسة السمع تطوّرت لديّ على الحديث عن حرب لبنان والمقاومة الفلسطينية في لبنان، فصاغت لي هذه الحرب كل ما له علاقة بمخزون الذاكرة في اللاوعي. تساءلت تلقائيا ما هي افغنستان، ولم يكن في المجلة أي شيء عن فلسطين. كنت أقرأ ولم أفهم جزءا كبيرا منها، كنت أبحث عن كلمة فلسطين، ولا وجود للكلمة. عمل ذلك حاجزا نفسيا اتجاه كل هذا التيار، بالحقيقة. حتى عندما كانوا يأخذونني الى مناسبات دينية، أو جلسات قرآنية، لم أحب تلقّي القرآن منهم، ولا أحكام التجويد، ولا الصلاة معهم نتيجة هذا الموقف من فلسطين. هناك حاجز يهودي، على باب بلدنا، وانت من بلدنا، ولا وجود لصوت فلسطين. كل ذلك بالفطرة.
في العائلة، كانت أمي وجدتي من حيفا، كان لهما أملاك في عرابة، انتقل سيدي اليها من حيّ في حيفا اسمه حواسة (1)، حيث كان له أملاك. أمي من مواليد حواسة، وكان سيدي يشتغل بالميناء والمطاحن وسكة القطار، وكان له أملاك في عرابة. عند الحرب، هُجرت العائلة من الداخل وجاءت الى عرابة. حتى اليوم، أفكر ما هو سرّ ارتباطي بفلسطين بهذا الشكل ؟ لا أجد سببا غير مسألتين، أولا عبارة ستي الله يرحمها التي قالت "هذه الأرض لنا أخذوها اليهود".
منذ ذلك اليوم أفكّر فيها، لماذا يأخذونها منا ؟ الامر الآخر، الحرب على لبنان ومجازر المخيمات، كان عمري 6 سنين. أنعش ذاكرتي واربط كل شيء بهذه المسألة، أتحدث عما جعلني، باللاوعي، ان آخذ هذا الموقف من التيار (الأخوان المسلمون) مبكرا، قبل أن أقرأ وأبحث. لم يكن أحد من العائلة في لبنان أو الأردن، لكن كان سيدي، عم أبي، من أشهر الشهداء في منطقة جنين في العام 1936. كان استشهاده خلال اشتباك مسلح تدخّل فيه الطيران البريطاني. اشتبك معهم لفترة طويلة في الجبل. وكانت ستي، ليلى مرداوي، مشهورة، فهي من الشخصيات القوية في عرابة، كانت عمليا على رأس العائلة. كان لديها أملاك وصرفت معظم ثروتها وأملاكها لتنافس العائلات الكبرى الأخرى. فكانت أم سيدي حسين، الذي استشهد في 36، فتزوّجت زوجة سيدي حسين لسيدي سليمان، سيدي أنا، وخلّفت من سيدي حسين ولدين وبنتين ومن سيدي سليمان ولدين وبنتين. هذا هو الإرث التاريخي فيما يتعلق بالموضوع.
كان موضوع فلسطين هو محور تفكيري ونشاطي. كانت يومها حركة الجهاد الإسلامي نشطة توزّع بيانات. كنت عادة أجمع البيانات، كان لدي أرشيفا كاملا للتنظيمات. بدأت أقرأ كل بيانات "الجهاد الإسلامي"، شعرت انني هنا، أن هذه البيانات تشبهني، وهذا الخط يشبهني. طلبت أن انضم للجهاد الإسلامي في ال1992. بعد فترة، تم اعتقال الشخص الذي طلبت منه الانضمام إذ حصلت ضربة للحركة، وكل أعضاء الحركة معتقلين. لم يكن هناك مجال لأصبح عضوا في الجهاد الإسلامي بشكل رسمي. كنت إيامها منخرطا بالعمل بوتيرة أعلى قليلا، انتقلنا من الحجارة للمولوتوف، شكلنا يومها مجموعة من شباب "فتح" ونفّذنا عمليات بالقنابل الحارقة، فحرقنا يوما باص مستوطنين. نفذنا أكثر من عمل، فاعتقلت على أساسها. في السجن، كانت التنظيمات موجودة، طلبت الذهاب الى "الجهاد الإسلامي". هذا هو السياق التاريخي لالتحاقي بحركة الجهاد الإسلامي.
"بدأت أقرأ كل بيانات "الجهاد الإسلامي"، شعرت انني هنا، أن هذه البيانات تشبهني، وهذا الخط يشبهني. طلبت أن انضم للجهاد الإسلامي في ال1992."
بقيت في السجن أربعة سنين (1994-1998). لكن اعتقلني العدو بعد 17 يوما من الإفراج عني. فتمكّنت من الإفلات منه وذهبت الى جنين التي كانت مصنّفة منطقة ألف، خاضعة للسلطة الفلسطينية. بعد شهرين، اعتقلتني السلطة. وقت الانسحاب من جنين، كنا في سجن جنين المركزي، ثم تم إخلاء السجن فنقلوننا الى سجن نابلس، ليسلّموا جنين للسلطة، بقينا خمس شهور في سجن نابلس، وعند تسليمه، نقلونا على سجن جنيد، وعند تسليم مدينة نابلس كاملة، نقلونا الى النقب.
حدث دخول السلطة وأنا في السجن..
التجهيز للعمل المقاوم
بعد التحرّر، حين كانت محادثات "واي ريفر"، نفّذت "الجهاد الإسلامي" عملية ضد الاحتلال. فتم اعتقالي من قبل السلطة التي كانت تحاول السيطرة على الوضع، لكن كنا مجموعة كبيرة، بالعشرات، من أسرى "الجهاد الإسلامي" الذين تم الإفراج عنهم. انتهت محكومياتنا، شاءت الأقدار أن العدد كبير، كنا معنيّين بالانتقال من القرى الى المدينة، على اعتبار أهمية المدينة وحيويّتها بالنسبة للنشاط التنظيمي والسياسي. كان تواجد "الجهاد الإسلامي" في المدينة ضعيفا، فنقلنا أكبر عدد ممكن حتى أصبحت القاعدة التنظيمية جيدة، بالعشرات، تجلّت في النشاط السياسي الاجتماعي والطلابي في الجامعات.
اشتغلنا هذه الفترة على أكثر من مسألة. دخلتُ الى جامعة القدس المفتوحة بجنين، بسبب الظرف الاجتماعي والوضع التنظيمي الذي لا يسمح بأن أتفرغ بشكل كامل للدراسة. في هذه الفترة، كان عندنا تفكير بإعادة هيكلة وترتيب "الجهاد" في الضفة الغربية. أنشأنا لجان في المناطق وبداخلها كانت التقسيمات للعمل التنظيمي والسياسي، والعمل الطلابي، والنشاط الاجتماعي. بموازاة ذلك، كان هناك عمل سري خاص بالعسكري. حصل نقاش بيني وبين إياد حردان الله يرحمه (2) ، وأحد الأخوة، كانوا معنيّين باستئناف العمل العسكري، في حين كان رأيي مخالفا لهم بهذه النقطة، كنت أحبّذ التريث قليلا.
"إياد الله يرحمه كان الشخصية الأهم فيما يتعلق بتهيئة الأجواء وتأسيس العمل العسكري في شمال الضفة والضفة الغربية بشكل عام. كنا في السجن سويا، كان عندنا تصوّرات حول الخارج، وبدأنا نهيئ نظريا ما يمكن فعله. كان معي إياد صوالحة الله يرحمه، إياد حردان خرج قبلنا بسنتين، وانتقل من عرابة الى جنين وبدأ نشاطه. سبقنا على هذا الصعيد وعندما خرجنا من السجن، كانت الأمور أسهل قليلا لنا بوجود إياد الذي كان قد أسّس لبعض الأمور. كان إياد له حضور استثنائي، الله يرحمه، كان أسلوبه في العمل بسيطا وسهلا، يستطيع اختراق الأذهان والقلوب ببساطة غير عادية وبعمق. وهذه من القضايا التي يصعب على المثقفين أن يعرفونها.

في المجال التنظيمي، الى جانب العمل السياسي والاجتماعي والطلابي، نشطنا على المستوى العسكري : بدأنا نهيئ، نجنّد ونختار ناس، نبحث عن مصادر تمويل، نجهّز خلايا، ندرس الإمكانيات والقدرة على العمل. كنت مع فكرة التريّث قليلا، حتى تنضج بعض الأمور داخليا وتنضج الشروط الموضوعية، لأننا كنا في بداية التجربة، لا نريد ان نتعرض لضربات أمنية تنهيها باكرا. كان رأي الآخرين ان نباشر العمل لأن الحضور أهم من اعتبارات التأخير.
وبالفعل، حصلت عملية معيّنة، وعلى اثرها تمت الاعتقالات، تقريبا الكل، من قبل السلطة. في هذه الفترة، كان عندنا حجم نشاط مكثّف ومهم، كنا مجهّزين تنظيميا، في الهيكليات واللجان، وكنا مجهّزين للتواصل مع المناطق الأخرى في الضفة الغربية، على مختلف مستويات العمل، كما كنا مجهّزين للعمل على المستوى الطلابي. فكان النشاط الطلابي استثنائيا في الجامعات، قد يكون الأفضل في تاريخ الحركة في الضفة لأن كان لدينا سابقا نوعا من التقصير والإهمال في هذا القطاع، للأسف الشديد. فقد أعطيناه الأولية التي يستحقها، ما حقّق نتائج وحضور مهم للجهاد الإسلامي في هذه الفترة.
اشتغلنا بالعمل العسكري بمنطق الدوائر، لم نربط كل شيء ببعض، لذلك فلت جزء من الضربة. كان إياد الحردان من نوع الرجال الذين يستطيعون حمل الأسرار، كان عنيدا، فصمد في التحقيق وكنا واثقين انه لن يتكلم. بالفعل، تعرض لتحقيق عنيف وقاس من قبل أجهزة أمن السلطة، وكذلك أخونا أنور حمران الله يرحمه، والحمد لله الأمور عدت على خير. بقيتُ سنة ونصف تقريبا في الاعتقال لدى السلطة، وغيري أكثر مني، واستمر اعتقال البعض حتى بداية الانتفاضة.
كان إياد حردان من نوع الرجال الذين يستطيعون حمل الأسرار، كان عنيدا، فصمد في التحقيق وكانا واثقين انه لن يتكلم. بالفعل، تعرض لتحقيق عنيف وقاس من قبل أجهزة أمن السلطة
خلال الاعتقال، كنا نتواصل، كان جزء منا في أريحا وجزء في جنيد وجزء في جنين، فكنا نتراسل ونرتب الأمور أيضا، كنا مضطلعين على الوضع ومدركين الى أين تسير الأمور. في هذه الفترة، كان التحضير لمفاوضات الحل النهائي التي حصلت في كامب ديفيد، وكان عندنا نقاشات داخلية حول الى ما ستفضي اليه هذه المفاوضات.
السلطة، ياسر عرفات، اندلاع انتفاضة الأقصى
كنت مقتنعا ان المفاوضات ستفشل وسيؤدي فشلها الى نوع من التراخي الأمني لدى السلطة، نستطيع من خلاله التحرك والعمل. كنت مقتنعا ان الأمور ستأخذ طابع انتفاضة، لكن لم يقتنع بعضهم، على اعتبار ضغط معطيات اللحظة الأمينة، أي بسبب مستوى القبضة الأمنية التي تمارسها السلطة علينا. اذا كان السلوك الأمني للسلطة والسلوك السياسي للسلطة بهذا الشكل، كيف يمكن أن أحلل وأتوقع حدوث انتفاضة ؟
فمعطيات الواقع كانت مغايرة لهذا التوقّع. كنت مرتكزا في تحليلي على مسألة، والأيام أثبتت صحتها، وهي أن مسألة الحل النهائي، بعد خمس سنوات من الاتفاق على الحل المرحلي، يمثل نوعا من حصان طروادة. كان الحل الانتقالي في العام 1994، والحل النهائي المنتظر بعد 5 سنوات، أي أنه بعد خمس سنوات ستذهب السلطة الى مفاوضات لإقامة الدولة الفلسطينية على تراب 1967. لكي يتمكّن ياسر عرفات من إقناع الناس بجدوى اتفاقيات أسلو، نفخ من أهمية الحل النهائي، أي التعويل على الحل النهائي. يطلب فرصة خمس سنوات لينشئ الدولة، كان هذا رهانه، ويجزم أنه سيجلب الدولة بعد 5 سنوات. في المقابل، كل المعطيات تشير الى عدم الانسحاب من أراضي 67 ولن تكون الدولة. خلال هذه الفترة كان يبيع للناس مفاوضات الحل النهائي، لكن كان من المستحيل أن تعطيه "إسرائيل" ما يريده. ماذا سيحصل بعد فشل المفاوضات ؟ كان عرفات، حتى للتغطية على نفسه، معنيّا أن يتحرك الشارع، لأن عدم تحرّكه يعني أن لم يعد هناك مبرّر لوجود السلطة.
قراءتي حول الانتفاضة الثانية مختلفة عن قراءات الناس. كان الأولى أن لا تحدث بل أن يتم إسقاط السلطة مبكرا، هكذا يقول المنطق. أنت جئت بسلطة انتقالية، وبعد خمس سنوات ستدخل بتفاوض من أجل الحل النهائي الذي معناه إقامة دولة فلسطينية على 67 وحل مسألة اللاجئين. اذا لم تستطع تنفيذهما، فشرعية وجود السلطة أو المبرّر الذي تم من خلاله تربّع السلطة على الناس، سقطت والبديل الطبيعي هو العودة الى الخلف، يعني إعادة التفكير بالحل السياسي ومشروع السلطة، والبحث عن بدائل السلطة، وإنهاؤها، يعني رفض الناس للسلطة. لكن الذي حصل كان عكس ذلك تماما.
كنا مقتنعين من جانبنا ان الوضع ذاهب الى الانفجار، فبدأنا بشراء كل اللوازم، والتسليح وشراء المسدسات ثم القطع، وتجهيز المجموعات، في الوقت الذي كان إياد حردان بالسجن (السلطة). وكان إياد صوالحة في حركة فتح عندما كان بالسجن، فتحوّل الى "الجهاد" بعد الإفراج عنه، كان نشيطا جدا ويعمل معنا دون أن يعرف أحد انتماءه الى "الجهاد إلاسلامي".
بدأنا التحرك في جنين والقرى، ولم ندخل المخيم بعد. ثم كانت أول عملية جهادية شارك فيها شخص من المخيم، مباشرة بعد اقتحام شارون للأقصى نهار الجمعة. قمنا في الساعة 4 و46 دقيقة بأول عملية اطلاق نار، قرب مستوطنة "شافي شمرون"، فأصيب أربعة مستوطنين. ثم تطوّرت الخبرات، من ناحية العمل العسكري، ومن ناحية التجهيز.
يقوم العمل العسكري وفقا للإمكانيات والقرار، كان لدى "الجهاد الإسلامي" و"حماس" هذا المستوى من العمل، بخلاف بقية التنظيمات الموجودة. كنا متفوّقين قليلا على "حماس" لأننا كنا قد جهّزنا بعض القضايا قبل بدء الانتفاضة، بسبب قناعتنا ان الأمور ذاهبة باتجاه الانفجار. يمكن التأكّد منها اذا رجعنا الى أرشيف الانتفاضة والعمليات. فكانت أول عملية اطلاق نار في "شافي شمرون" قرب نابلس ردا على اقتحام شارون المسجد الأقصى من فعل "الجهاد الإسلامي".
كان لدينا إمكانيات تصنيع وأشخاص قادرين على التصنيع، المواد لم تكن قوية لكنها متوفّرة، ثم حصلنا على مواد في النصف الثاني من 2001. في البداية، كانت العبوات والأحزمة الناسفة ومادة "أم العبد"، ثم تطوّرت الأمور وحصلنا على مواد أخرى. مدّنا اخواننا في حزب الله بعض المعادلات والتركيبات وكيفية تصنيعها، فحصلت نقلة نوعية للمتفجّرات، وصولا لمادة كانت قوتها تعادل 2،6 من TNT. أذكر ما قال لي المحقّق في السجن : "هل تتخيّل إننا سنترككم وهذه المادة بين أيديكم؟" بمعنى ان امتلاكنا هذه المادة وتصنيعها هو أحد العوامل التي سارعت اجتياح الضفة الغربية، والقضاء على المقاومة. لا يمكن للاحتلال ان يتعايش مع وجود هكذا مادة لأن قوتها الانفجارية عالية جدا.
فكانت أول عملية اطلاق نار في "شافي شمرون" قرب نابلس ردا على اقتحام شارون المسجد الأقصى من فعل "الجهاد الإسلامي"
الحقيقة أن إخواننا في حزب الله ساعدونا في تطويرها، حتى في مسألة الصواريخ. لقد عرض علينا الحزب في 2001 ان نُخرج أشخاص للتدريب، وتم تقديم لنا بعض الأقراص المدمّجة للتعليم. كان خالد زكارنا الله يرحمه، من قيادات السرايا في الضفة الغربية، قد تدرّب على تصنيع المتفجرات بالخارج، وكان له الدور الأساسي في موضوع التصنيع. فكان مهندسا في سرايا القدس فعلّم آخرين، منهم الأخ إياد صوالحة الذي تعرّف عليه من خلالي. فتح خط لتعليمه كيفية تصنيع المتفجّرات، كانت خبرات إياد بسيطة، لكنها تكثّفت هذه المعرفة مع خالد زكارنة الذي تدرّب في معسكرات حزب الله والحرس الثوري الإيراني. بشكل عام، كان التواصل مع هذه الجهات عبر النت، فتمكنا من بناء تواصل مضمون. بعد فترة، ازدادت الخبرات في الضفة الغربية، بفضل هذه التعاليم من الخارج.
العمل بمنطق الخلايابعد اقتحام شارون المسجد الأقصى، بدأت العمليات. لم نكن نعمل مع التنظيمات الأخرى بداية، لأكثر من سبب، أولها أننا لم نكن نعرف الى أين سيذهب العمل المقاوم، ومن الناحية الأمنية، كان يجب التأكد وأخذ الاحتياط، لأن الثقة ضرورية، لا تبنى بيوم أو يومين بل من خلال التجارب والاحتكاك. كنا نعرف بعضنا البعض على المستوى الاجتماعي والسياسي، لكن في العمل العسكري، لا مجال للخطأ، يجب الأخذ أعلى درجات الحيطة. أثناء الانتفاضة، طلب أشخاص ينتمون لتنظيمات المساعدة، اشترطتُ التعامل مع شخصية معينة أعرفها، ليست عسكرية، ومن خلاله اعطيته أشياء أوصلها لجماعته. لم أتواصل مع الجانب العسكري، ليس لأنني أشك فيه لكن لأنني لا أعرفه، وبعيدا عن مراقبة الأجهزة الأمنية الفلسطينية، لأن مستوى الملاحقة والضغط يرتفع في حال ترتيب عمل موحّد بين التنظيمات. هذه الفكرة بحد ذاتها، لا السلطة ولا "إسرائيل" تتحملها.
لم تكن الفكرة واردة لدينا، اكتفينا بعمل مشترك معيّن غير أمني، فالتعامل معنا سيكون مختلفا. لم نحبّذ ايامها برفع مستوى الاستفزاز الأمني والعسكري لهم، حتى لا نتعرّض لضربات لا يمكن تحمّلها، كما لم نقم بعمل لا يمكننا تحمّل تداعياته. وصلنا الى إمكانية عمل كبير جدا، لكنني رفضت الفكرة لسبيين، الأول هو أن 11 سبتمبر ما زال في الأذهان، فرفضت المقارنة او التشبيه مع هذا الحدث، خاصة أن ثلاثة أرباع العالم لا يعرف ما هو المجتمع "الإسرائيلي"، ويتعامل على أساس أن له الحق في الوجود، فالسردية مختلفة عنده. بالنسبة لي لا فرق بين مدني وعسكري في المجتمع "الإسرائيلي"، هما أهداف مشروعة. فوافق د. رمضان على رأيي. والسبب الثاني، هو أننا كنا نعمل بمنطق الخلايا، نقوم بالعملية وننسحب، فأكثر من ذلك كان صعبا. لم أحبّذ هذا الحجم من العمليات.
لقد قمنا فيما بعد بتفجير سيارات مفخّخة ضد أهداف عسكرية وباص للجنود، وتم تفجير السيارات بعد معركة جنين. كانت أول عملية استشهادية في انتفاضة الأقصى للجهاد الإسلامي، وأول سيارة مفخّخة أيضا في الخضيرة، في كانون الأول/ ديسمبر 2000، واحدة في الخضيرة وواحدة في القدس، ووقع قتلى إسرائيليين في الأثنين، وعلى أثرها، تم اغتيال اخونا أنور حمران في نابلس. لقد اتهمه العدو بمسؤولية الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، لكن الكلام غير دقيق.
تطور العمل ودخلت المنظمات في المعركة، وأعطى دخول كتائب شهداء الأقصى في 2002 زخما قويا، وضاعف الجهد الموجود. في شهر شباط/فبراير 2002، كان واضحا أن الاحتلال لن يسكت طويلا على التجربة التي تتبلور في الضفة الغربية، وكان واضحا أنهم يستهدفون أصلا الحدّ من العمليات وقطع التجارب، من خلال الاغتيالات. كل ذلك لم يكن كافيا لهم. كنا مقتنعين أن الاجتياح قادم، والاجتياحات الجزئية التي تمت بين شهر شباط و نيسان 2002، أتت في سياق التحضير : تحضير التشكيلات العسكرية، رفع مستوى تدريبها القتالي العملي داخل المدن، مزيد من الخبرات ومن العمل الاستخباري والأمني. في آخر شهر آذار 2002، حصلت عملية في فندق "بارك" في نتانيا، أدت الى مقتل مستوطنيْن، كانت قناعتي انه حتى لو لم تحصل هذه العملية، كان الاحتلال ذاهب الى الاجتياح.
المناطق وقطاع غزة في انتفاضة الأقصى
كان عبء القتال مركزا على الضفة الغربية، لأن حالة الضفة أقوى، لأكثر من سبب : التداخل بين المستوطنين والفلسطينيين في الضفة الغربية أكثر من قطاع غزة حيث المساحة صغيرة والحضور "الإسرائيلي" غير كثيف، وكانت بعض المستوطنات محصنّة بشكل عال، وحركة المستوطنين أقلّ من حركتهم في الضفة الغربية. ثم لم يكن هناك أهدافا معيّنة، والقطاع محاصر، يصعب على الاستشهادي الخروج من غزة نحو أراضي 48. ثم هناك ملاحظة تستحق التوقّف اليها، في سياق تاريخ الفعل المقاوم الفلسطيني، يأخذ هذا الفعل أحيانا طابعا مناطقيا. فالهباّت العامة تبقى حالات نادرة مثل الانتفاضة الأولى، معركة "سيف القدس"، وظلّت محدودة، ولم تُستثمر بشكل جيد. في انتفاضة الأقصى، وعلى مستوى الضفة الغربية بالذات، كانت المقاومة مناطقية، قد تكون أسبابها، الإمكانية والكادر البشري المتوفّر. في الجغرافيا التي نعيش فيها، قد يكون الكادر أكثر فعالية في بعض المناطق، ما يعني أن مجموعة ظروف وعوامل تتضافر وتجعل ارتفاع عدد الكوادر في منطقة أكثر من منطقة آخرى. هذا ما كان يؤدي أحيانا الى تفاوت واضح في جغرافية المقاومة في الضفة الغربية.
في أواخر 2001 وبداية 2002، وصلت المقاومة في الضفة الغربية الى ذروتها. كنت يومها مسؤول الجناح العسكري في الجهاد الإسلامي، سرايا القدس، في منطقة جنين، لم يكن لنا هيكليّة عامة في الضفة، بل هيكليات مناطق، وبحكم الظروف والامكانيات والتجربة ومستوى الفعل، كان لنا تلقائيا الراية النافذة والتأثير على المنطقة. فالتنسيق موجود مع المناطق الأخرى، وكنا نملك إمكانيات مادية وقدرات بشرية، وكل من احتاج الى بعض الإمكانيات، كنا نرسلها لهم.
أسامة نغنغية ومحمود طوالبة.
كنت في مخيم جنين قبل الاجتياح، فكنت ملاحق. في النصف الثاني من 2001، دخلنا الى المخيم، حيث التواجد الأساسي. هناك تفاصيل كثيرة، حول الحاضنة، يجب تأطيرها، لكن يجب الإشارة الى أن من حسم حالة المخيم وساعدنا في جمع كل هذه الحاضنة فيه، هما شخصان، شاب اسمه أسامة نغنغية (3) ومحمود طوالبة (4).
كان أسامة شاب صغير يعمل في جهاز المخابرات الفلسطينية، وتمكّن إياد حردان الذي كان معتقلا لدى المخابرات، من تجنيده. كان شابا خلوقا ومحبوبا جدا في المخيم، ومجرد ان يقال انه "جهاد إسلامي"، انتشر في المخيم حضور "الجهاد" وحبّ "الجهاد". لقد فتح لنا عمليا المخيم بأوسع أبوابه. لسهولة التوغل أو الدخول الى المخيم او تأطير الناس في المخيم، يجب أن يكون عنصرا بشريا لتكوين هذه الحاضنة الشعبية. أسامة الله يرحمه فتح لنا أبواب المخيم، فكان الزخم الأول، كان شجاع جدا وشارك في كثير من المعليات، وأحدها كان إفشال كمين ونوع من الإنزال دبّره جيش الاحتلال. كان يريد اعتقال شخصية من حماس، في منطقة وادي برقين، فكان الوحيد الذي اشتبك معه، وأوقف عمليا الإنزال وأفشل الكمين الصهيوني. كان اسمه "بدوي". اشترك في أكثر من عملية. في السجن، جنّده إياد (حردان) عندما كان حارسا عليه. لقد ساعدنا كثيرا، الشباب عندنا ليسوا متدرّبين على السلاح، علّمهم على الأسلحة، وساعد الكثير منهم. فاستشهد، وعندما عرفت الناس انه "جهاد إسلامي"، شكّل استشهاده رصيدا، واستثمار بعيد المدى بمنطق الأخلاقي والفكري.
الثاني هو محمود طوالبة الذي كان له كل هذا الحضور في المخيم. عندما يكون رمز وعنوان "الجهاد الإسلامي" في المخيم، يصعب للآخرين ان يتمتعوا بهذه المكانة والحضور بين الناس. تتأثر الناس تلقائيا وتميل الى توجّهاته. هذا ساعدنا في الحالة الاجتماعية التي حمِتنا في المخيم. هذا في سياق تاريخ العمل المقاوم في الضفة، وصولا الى المعركة الأخيرة التي حصلت في شهر نيسان 2002.
بعد الاعتقال
"بما أننا كنا نعمل وفقا لمنطق الدوائر وفصل المجموعات عن الجسم الأساسي الذي تلقى كل الضغط الأمني العسكري، كانت المجموعات بعيدة عن الأضواء ولا أحد يعرفها، استمرت هذه الدوائر في الفعل بعد ضربتنا في المخيم، فكان على رأسها أخونا أياد صوالحة وخالد زكارنة، والطاقم الذي يعمل معهما. هم الذين نفّذوا أضخم العمليات في تاريخ المقاومة في منطقة جنين، إن لم يكن في الضفة الغربية. كان نموذجها عمليتي مجدو، وكركور.
"قبل معركة المخيم، خرج بعض الشباب من المخيم حيث كنا عارفين نتائجها، بالمنطق العسكري. طلب مني د. رمضان ان أخرج أيضا، لكن لا يمكن الخروج ، فسيتم اجتياح المخيم بسببي وبسبب بعض الناس، لم أستطع ترك الناس وأنا عارف النتيجة. في ذلك الوقت، لا يمكن التراجع حتى لو كانت النتيجة القتل. كنا قد دبّرنا أمورنا تنظيميا لاستمرار عمل المقاومة.
التقييم المراحل
هناك ركيزتان للتقييم. الأولى هي مستوى له علاقة بمجموعة المبادئ والقيم الوطنية الفلسطينية، وفي صلبها المقاومة والمقاومة المسلّحة. المقاومة السلمية لا تنفع مع العدو. هذا التقدير لن يأخذ حيّزا كبير ا للمراجعة والتقييم على اعتبار أن هذا المسار لا يمكن التخلي عنه. بعبارة أخرى، مهما كان حجم التضحيات والألم، لا يمكن التخلي عن هذه المبادئ.
ما الذي يخضع للتقييم والمراجعة والتفكير، هو السلوك العملاني على الأرض. بمنتهى الموضوعية والإنصاف والأمانة التاريخية، لقد كان تاريخنا إجمالا تاريخ أخطاء على المستوى العملي، حتى بعد انتفاضة الأقصى، بمعنى أن الخطأ والتقصير هو المركّب الظاهر على الفعل الفلسطيني. والأمر الآخر هو أن الفعل الفلسطيني يبدو وكأنه فعل يتيم في سياق، لأن الفعل المقاوم الفلسطيني خالٍ من البناء على التجارب السابقة، وأنا أرتكز كثيرا على مسألة البناء وتراكم الخبرات. في الضفة الغربية كان هذا واضحا جدا. الفترة التي كان فيها تراكم خبرات هي فترة غزة، من 2005 الى 2023، ما أدى الى القدرة على الفعل في قطاع غزة. لم نتمكن من الوصول الى حالة معيّنة مشابهة، في الضفة الغربية.
ثم التقييم على مستوى التكتيك والاستراتيجيات، وسائل العمل، وتحديد الأهداف والأولويات، مثلا ركّزنا كثيرا على الفعل الاستشهادي وليس على بناء المقاتل. كنا نحتاج فعلا الى مقاتلين أكثر من استشهاديين، كما ركّزنا كثيرا على العمليات في الداخل المحتل عام 1948 أكثر من العمليات في الضفة الغربية، مع أن الضفة الغربية أولى وأهم سياسيا وعسكريا وجغرافيا وإعلاميا، وحتى من ناحية الأثر والتداعيات. هذا على مستوى الأخطاء الاستراتيجية الكبيرة التي حكمت سياق الفعل المقاوم ، لنا وغيرنا في الضفة الغربية، وكانت أيضا أخطاء في التفاصيل. كنا كثيرا ما نفكّر في هذه القضايا ونراجعها.
ركّزنا كثيرا على الفعل الاستشهادي وليس على بناء المقاتل. كنا نحتاج فعلا الى مقاتلين أكثر من استشهاديين
في مسألة المراجعة، يمكننا المقارنة بين المقاومة والتجارة. عندما يخسر التاجر في تجارته، لا يشكك في مبدأ التجارة، بل يعيد التفكير في طريقة عمله، وعندما نخطأ في المقاومة، يجب ألا نشكك في جدوى المقاومة بل في طريقة الأداء.
المقاومة الفلسطينية تهدف الى تحرير فلسطين وإحداث حالة عربية مناسبة للوصول الى فلسطين. فشلنا لأننا ارتكبنا أخطاء. لماذا نفشل ؟ يجب التفكير بالمسألة. كل موجة مقاومة فلسطينية تنتهي الى لا شيء أو حتى الى تراجع، هذا يستحق منا التفكير ودون توصيف حقيقي، لا نستطيع الوصول الى علاج حقيقي أو نتائج مرجوة. نفكر دائما بهذه المسألة بمعزل عما حصل مؤخرا، أي تجارب الضفة الغربية ومآلاتها. فهي تجارب يبكى عليها الانسان، يبكى على النتيجة، للأسف، ما هي الأسباب ؟ هل السبب هو فصائلنا ؟ أو مستوى الوعي لدينا ؟ إمكانياتنا وقدراتنا ؟ لم يكن لدينا الخبرة الكافية أو الوعي الكافي، كل هذه العوامل موجودة، ولكن بالمحصلة، نحن كحركات مقاومة، نتحمل المسؤولية .
أدرك من ناحية أخرى أننا نحارب العالم كله، وهذه هي أحد إشكاليلتنا. في البدايات، كانت مقاربة الكل الفلسطيني وما زال، رغم كل الذي حصل ورغم الدعم العالمي لإسرائيل، حول علاقة "إسرائيل" بالغرب بالقول أن "إسرائيل" مشروع غربي أصلا، مشروع مسيحي قبل ان يكون مشروع يهودي، اليهود واليهودية والمشروع الصهيوني أداة بيد الغرب، وليس العكس. بدون دعم أمريكي وغربي اليوم لا يستطيع الكيان الصهيوني الصمود لأيام.
أدرك طبيعة هذه العلاقة العضوية، عندما أقاتل "إسرائيل"، أقاتل الغرب كله من وراءه، وهذا تجلى واضحا سواء في المواجهة في غزة أو مع حزب الله، وحتى المواجهة مع إيران عندما تحاصر. ليس للغرب مشكلة مع الشيعة أو السنة، وليست مسألة النووي، لدى باكستان نووي بأموال عربية ودعم أمريكي. المسألة هي الموقف من إسرائيل والاستقلال الذاتي والإرادة السياسية المستقلة. ما يحصل في إيران سببه الموقف الغربي من المشروع الصهيوني. بالتأكيد انا أقاتل ربع أو نصف العالم، وأقرّ أن على مستوى الإمكانيات البحتة، لا أستطيع تحرير فلسطين ضمن هذه المعادلة، لكن لا يعني أن أستسلم وأرفع الراية البيضاء، أو أتنازل عن المقاومة. قد أذهب الى مقاربات أخرى في الفعل المقاوم العنيف ذاته، بمعنى دراسة كيف يمكن تقليل حجم التداعيات في رد فعل العدو. هي فكرة إبقاء جذوة الصراع في فلسطين مشتعلة، الى حين، هذا ممكن، لقد جاءتنا كفلسطينيين فرص كثيرة وأضعناها، جاءتنا فرص لنتمكن من تحقيق تغيير جذري في الإقليم لصالحنا.
أدرك من ناحية أخرى أننا نحارب العالم كله، وهذه هي أحد إشكاليلتنا... عندما أقاتل "إسرائيل"، أقاتل الغرب كله من وراءه، وهذا تجلى واضحا سواء في المواجهة في غزة أو مع حزب الله، وحتى المواجهة مع إيران عندما تحاصر
الوعي : كيف ينشأ الوعي
يجب التمييز بين الوعي المشتبك الذي يتشكل خلال المواجهة، والوعي الذي يتشكل في المكتبات وخلف المكاتب. في تقديري أهم عنصر في الموضوع أن الوعي المشتبك يعطيك فرصة، ليس فقط لزيادة الوعي، بل لاختبار الوعي مباشرة. والقدرة على اختبار الوعي مباشرة تتجلى في أمرين، إما في الصمود إما في الانكسار، إما في القدرة على التحمّل، إما في الانهيار تحت الضغط. وهذا يحصل لكثير من الناس.
الأمر الآخر، أنك تختبر صلاحية فعالية وعيِك أي منظومة أفكارك، مباشرة على الأرض، بعكس الناس الجالسين والمنظّرين المرتاحين الذين لا يمارسون القتال. لا اقلّل من أهمية هؤلاء، لكن لا يوجد ما هو أرقى وأصدق وأجمل من صاحب الفكرة الذي يمارسها على الأرض ويدفع ثمنها من عرقه دمه.
ثانيا، الاشتباك مختبر حقيقي لمدى فاعلية الفكرة ومدى صدقها، ثم اختبار لمدى الإيمان والقناعة والالتصاق بهذا الوعي، هل هو وعي مزيّف أم وعي حقيقي، هل هو وعي مستعد الذهاب الى النهاية مهما كان الثمن، دفاعا عن قناعاته، أو يتراجع عند ضغط معيّن ..
هناك فرق آخر، الوعي المشتبك أقرب الى الوعي الفطري، والوعي الفطري في جميع الحالات أفضل وأصلب وأكثر تحصينا ضد الضياع والتيه والإنكسار. أذكر دائما هذه المسألة في سياق الحديث عن ظاهرة الشباب الذين يخرجون لمقاومة الاحتلال في فلسطين، وعمرهم لا يتجاوز ال 16 سنة، هؤلاء يمتلكون وعي فطري، وعي صافي ونقيّ، وعي طاهر، لم تلوّثه نظرية الواقعية ولا نظرية التعقّل. أحيانا يجرّ التعقّل الى الجبن والتراجع، لكن الحيوية موجودة دائما في الفعل الفلسطيني بمعنى الديمومة.
لهذا السبب أقول لا خوف على استمرار الفعل المقاوم في فلسطين، ستظهر دائما ناس لم يُلوث وعيها الفطري، وفي كل فترة سيحضر جيلٌ يمتلك الوعي الفطري. لا خوف على الفعل المقاوم في داخل فلسطين، سيستمر، والسبب هو الوعي الفطري وليس الوعي المكتسب، لأن كثير من الناس، عند حدّ معين، يدخل في حيّز الردع، في نفسيته، وجسده، وتفكيره، فلم يعد قادر على تحمّل دفع الثمن المطلوب من أجل استمرار الفعل المقاوم أو حتى الثبات على الموقف السياسي دون فعل. من يتمكّن من التحمّل، بغض النظر عن الاعتقال ؟ هناك جملة أسباب تجعل الوعي الفطري والوعي المشتبك المباشر أهم وأقوى من الوعي المكتسب.
لا يوجد ما هو أرقى وأصدق وأجمل من صاحب الفكرة الذي يمارسها على الأرض ويدفع ثمنها من عرقه دمه.... الوعي المشتبك أقرب الى الوعي الفطري، والوعي الفطري في جميع الحالات أفضل وأصلب وأكثر تحصينا ضد الضياع والتيه والإنكسار
الوعي والشتباك في الأسر
المسألة خاصة بالأسير، عندما يُعتقل الفلسطيني لا ينتهي دورُه، خلافا لأي أسير يُعتقل في العالم، الذي ينتهي مفعوله عند اعتقاله، إلا الأسير الفلسطيني، الذي ينتقل من حالة نضالية الى حالة أخرى. حالة الاعتقال هي حالة اشتباك دائمة مع السجاّن، وهنا تتكثف حالة المقاومة والمواجهة، لأن السجان في ذهنيته لا يعمل للمال، على الأقل هكذا تعبّئُه مصلحة السجون.
لكي ترفع من معنوياته ومن مكانته الاجتماعية، تقنعُه انه يمارس عملا وطنيا في مواجهة "المخرّب" الفلسطيني. معنويات السجان تقف على رواية صهيونية، وبالمقابل، للأسير الفلسطيني روايته الفلسطينية طبعا، وعلى مدار الوقت، هناك حالة من الاشتباك المستمرة بين الروايتين.
صحيح أن الأسير الفلسطيني هو سجين جسديا، لكن في الذهنية والفضاء والبيئة، توجد حالة اشتباك دائمة بين روايتين. هذا الوعي هو الذي يجعل الفلسطيني يصمد كل هذه الفترة في السجن، لولاه لا يمكن لأي أسير أن يتحمّل هذه الفترات والضغوطات. عندما يدخل أي سجين في العالم الى السجن، يعيش مع مجموعة قوانين، لا يتعرّض داخل السجن لملاحقات على إثر الفعل المقاوم، إلا في الحالة الفلسطينية. لا ينتهي عقاب الأسير بعد اعتقاله، إنما يستمر بأشكال أخرى داخل المعتقل، في الحرمان والتعذيب والانتقام. يمنح هذا الوعي لدى الأسير الفلسطيني القدرة على الصمود. كثير من الأسرى يقولون "ألعب رياضة حتى أصمد"، تصبح الرياضة فعل صمود، والفرح فعل صمود، ووجود الأهل والأقارب والولد والزوجة فعل صمود، حتى وجود قطعة أرض هو مشروع صمود حتى أستطيع ان أبقى متعلّقا في الخارج الى حين خروجي من هذا الحيّز، حيّز الإذلال والقهر داخل السجون.
الهوامش
- معلومات عامة عن تجمع حَوَّاسَة/ بلد الشيخ : تجمّع، حيّ من أحياء قرية بلد الشيخ المهجّرة، هذا الحي بُني عند وادي حَوَّاسة الذي كان يبدأ جريانه من نهر المقطع ويصب في البحر المتوسط، ماراً بقرية بلد الشيخ غرباً، كان الحيّ جزءاً من أراضي بلد الشيخ، بني الحي في عشرينيات القرن الماضي، وكان ذلك مع توسع النشاط الصناعي في حيفا حيث قصدها العمال العرب والفلسطينيون من كل مكان، فكانوا يستأجرون منازل في هذا الحي للإقامة فيها مع عائلاتهم نظراً لقربه من مدينة حيفا (يبعد عن حيفا مسافة 5 كم) من جنوبها الشرقي. كانت حواسة هدفاً للعصابات الصهيونية منذ بداية حرب عام 1948، وقد ارتكب الصهاينة بحق أهلها مجزرة بشعة يوم 1-1-1948، وبقي سكان الحيّ فيه إلى أن تم احتلال قرية بلد الشيخ يوم 24-4-1948. ↩
- ولد الشهيد القائد إياد محمد نايف حردان (1974-2001) بتاريخ 1/4/1974م، في بلدة عرابة قضاء محافظة جنين وسط أسرة مؤمنة مجاهدة، ليكون الابن السادس في أسرته المكونة من تسعة أفراد. تعلم القائد إياد حردان في مدارس بلدة عرابة وأنهى تعليمه الثانوي فيها وأجبرته الاعتقالات والملاحقة له على البقاء في جنين للدراسة في جامعة القدس المفتوحة. مع اندلاع الانتفاضة عام 1987م، كان الشهيد القائد إياد حردان من أوائل الذين تصدوا للاحتلال الصهيوني في بلدة عرابة وشارك في جميع المواجهات. بدأ الشهيد القائد إياد حردان مسيرته في حركة الجهاد الإسلامي في السادسة عشرة من عمره، وهو من مؤسسي مجموعات "عشاق الشهادة" مع الشهيد القائد عصام براهمة. كانت أول عملية للشهيد إياد في أواخر عام 1991م، في مستوطنة مابودوتان الواقعة قرب عرابة. اعتقل على إثرها وتعرّض لتحقيقٍ قاسٍ وحوكم بالسجن مدة ثلاث سنوات. بعد خروجه من سجون الاحتلال لم يتراجع أو يتردد لحظة واحدة في مواصله مسيرته الجهادية. فكان ينظم الخلايا العسكرية ويشتري السلاح وعندما بدأت انتفاضة الأقصى تم اعتقاله في سجون السلطة الفلسطينية وتمكّن من الهرب من السجن برفقة عدد من المجاهدين، وأعادت أجهزة السلطة اعتقاله مرة أخرى في جنين، ومن هناك بدأ تشغيل الخلايا العسكرية وتأدية واجبه الجهادي. شارك الشهيد القائد إياد حردان برفقة إخوانه المجاهدين في تأسيس سرايا القدس بالضفة المحتلة. خطط الشهيد إياد حردان لعملية سوق محني يهودا في القدس، في السادس من نوفمبر لعام 1998م. على إثر العملية اعتقلت أجهزة أمن السلطة القائد إياد حردان وأعيد اعتقاله مرات عدة قبل الإفرج عنه مع بداية انتفاضة الأقصى، ليعاد اعتقاله لاحقاً مع 14 مطارداً، واقتيد إلى سجن جنين المركزي، وبقي فيه إلى أن استشهد. اغتالت أجهزة الأمن الصهيونية القائد إياد حردان يوم الخميس بتاريخ 5/4/2001 بواسطة تفجير الهاتف العمومي الذي كان يستخدمه خلال فترة اعتقاله. ↩
- ولد أسامة إبراهيم تركمان (1979-2001) الذي على أرض مخيم جنين في يوم 12/2/1979. نشأ متسلحاً بأطنان لا حصر لها من التمرّد والجرأة. هوايته ملاحقة العدو الصهيوني أينما وجد. فكان من أبرع راشقي الحجارة في المخيم في انتفاضة عام 1987. في عام 1997، التحق أسامة بجهاز المخابرات التابع للسلطة الفلسطينية. اجتاحت قوات العدو وادي برقين المتاخم لمخيم جنين وهدفها الشيخ نصر جرار القيادي في حماس. تسلّل أسامة ليلا وقد حمل سلاحه وتمترس فوق احد أسطح البيوت المجاورة وأمطر القوات الغازية بنيران مدفعه الرشاش فأصاب وقتل عددا منهم. بعد هذه الواقعة أصبح أسامة مطلوبا ومطارداً ولكنه وسط مخيم جنين العصي دوما عن الاقتحام. في ليلة عيد الأضحى المبارك 10/ ذي الحجة /1422 الموافق 4/3/2001 أصيب أسامة ابن الحادية والعشرين في اشتباك مسلح على الطريق الالتفافي بالقرب من الجلمة (مقتطف موقع سرايا القدس) ↩
- ولد الشهيد القائد الشيخ محمود أحمد محمد طوالبة (أبو عبد الله) في أحضان مخيم جنين بتاريخ 19/3/1979م، لأسرة فلسطينية مجاهدة مكوّنة من 9 أفراد بالإضافة لوالديه. وكان ترتيبه الرابع في أسرته التي لجأت إلى مخيم جنين بعد نكبة عام 1948م، بعد أن دمّر الاحتلال منازلهم وشردهم من قريتهم نورس القريبة من مدينة حيفا. تأثّر بواقع معاناة اللجوء والحياة القاسية في مخيم جنين، فكبرت معه روح الانتماء للوطن والاستعداد للمقاومة. تميز الشــهيد محمــود طوالبة بالشجاعة وقوة الشخصية والإيثار، وبدماثة خلقه وابتسامته الدائمة. كان الشهيد القائد يحب عمل الخير ويتواصل مع الفقراء والمحتاجين. انخرط في صفوف حركة الجهاد الإسلامي في ريعان شبابه مع انطلاقة انتفاضة الأقصى في سبتمبر عام 2000م، كان للشهيد طوالبة دور مميّز وكبير، فالتحق بصفوف سرايا القدس بعد أن تعرّف على الشهيد القائد محمد بشارات أحد أبرز قادة السرايا وعمل معه وقاتل إلى جانبه. بعد أن تمكّن من استعمال السلاح وتصنيع المواد المتفجرة، عُين قائداً عسكرياً لسرايا القدس في مخيم جنين، وعمل من خلال موقعه على الإشراف والتنفيذ المباشر لسلسلة من العمليات الاستشهادية التي نفذتها سرايا القدس. قامت السلطة الفلسطينية باعتقاله في أواخر العام 2001م. قبل بدء معركة مخيم جنين، بدأ القائد محمود طوالبة وإخوانه المجاهدين يستعد لمواجهة المحتل وقام بتفخيخ بيته وجميع البيوت المجاورة. بعد مقاومة عنيفة وضارية من المجاهدين استمرت لعدة أيام خلال معركة جنين البطولية، في يوم الاثنين الموافق 8-4-2002م، صبّ العدو جحيم ناره بصواريخ "الأباتشي" ومدافع الدبابات على المكان الذي تواجد فيه القائد محمود طوالبة مع عدد من المجاهدين، مما أسفر عن استشهادهم. ↩