أوراق تحرّرية
حوارات وتحقيقات

مع المحرّر محمود العارضة

يسرد المحرّر محمود العارضة بعض الذكريات من طفولته وبداية انخراطه في العمل الجهادي ثم اعتقاله وبحثه عن الحرية

ولد في يوم 8/11/1975، في بلدة عرابة - محافظة جنين. اعتقل آخر مرة في 22/9/1996. في 6 أيلول/سبتمبر 2021، قاد عملية الهروب من سجن جلبوع، برفقة خمسة أسرى من أخوانه، وبمساعدة خمسة أسرى آخرين.
انتمى البطل المحرر محمود العارضة الى جيل أسس العمل العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في بداية التسعينيات من القرن الماضي (1990)، باسم مجموعات "عشاق الشهادة"، بقيادة الشهيد عصام براهمة (1).
كما انتمى المحرّر محمود العارضة الى بلدة عرابة (محافظة جنين) التي شهدت ولادة قائد أحبّ الحرية حتى الشهادة، الشهيد خضر عدنان (2). وكذلك، انتمى البطل المحرّر الى مجموعة من الأسرى حاولت الهروب من السجون الصهيونية. شهدت ملحمة الهروب التي خاضها 6 أسرى بقيادته في 6 سبتمبر/أيلول 2021 من سجن جلبوع المحصّن، أروع فصول التحدي للمنظومة الأمنية الصهيونية. أحيت هذه الملحمة التي تابعها الملايين، بل عشرات الملايين من البشر في العالم، الأمل بإمكانية التغلب على العدو الصهيوني بالتسلح بالإرادة والتخطيط.
لم تكن عملية الهروب من سجون بني صهيون هذه أول عملية، بل سبقتها العشرات من العمليات والمحاولات (أقدمها الهروب الجماعي من سجن شطة عام 1958)، تكلّل بعضها بالحرية (أولها البطل حمزة يونس 1964 ثم 1974) أو ببعض أيام الحرية بعد نجاح عملية الهروب (نفق الحرية في جلبوع 2021) أو باكتشاف خطة الهروب قبل الشروع بالعملية. تشكل مسألة الهروب من السجون الصهيونية مادة مهمة للدراسة لأنها تبرز بشكل واضح تفوّق الأسير الفلسطيني في إدارته للمعركة بكل تفاصيلها مقابل العنجهية والغطرسة الصهيونية.

البحث عن الحرية

"اعتقلت أول مرة في العام 1992. أنا خلقت حرا، كنت أعيش في قرية (عرّابة، محافظة جنين) فيها أراضي كثيرة، وديان وجبال. كانت الأراضي البرية تحت تصرفي أغلب أيام السنة. أعرف كل شجرة، وأنواع الشجر، والصخور والآبار الموجودة في المنطقة. كنت أبحث على أعشاش الطيور. لم أحب الدخول لى البلدة، أفضّل المناطق البرية. كنت أشعر ان هذه الأراضي لي معظم أيام السنة، يأتي الفلاحون اليها فقط أيام الحصاد، ويأخذون الزيتون. أنا كنت حرا، وعندما كان العدو يدخل الى البلد، كنا نواجهه. المقاومة، هي الحرية. عندما كنا نقاوم، كنا نشعر بالحرية. عندما اعتقلني جيش العدو في 1992، فكرت بالهرب منذ اللحظة الأولى، ركبّني الجنود في "الجيب" بالخلف، كان جندي على اليمين وجندي على الشمال، قيّدوني. فكرت بالقفز، كانت القفزة ممكنة، لكن امكانية بقائي حيّا صفر، لو قفزت كنت متت لأن السيارة مسرعة وكنت مقيّد للخلف. ترددت لأن إمكانية بقائي حيّ كانت ضئيلة جدا، فتراجعت. في خيمة سجن جنين، قبل مراكز التحقيق، كنت أفكر بالهرب.. لم أتوقف عن التفكير بالهرب منذ اللحظة الأولى.
ولأن السجون أمنية، كان من الصعب أن نجد ثغرة فيها للهرب. لكن قال لي يوما مدير سجن أيشل "عندك قدرة على إيجاد وسيلة للهرب". فأي سجن أدخله، أكتشف نقاط الضعف فيه، وقليل من الاسرى لديهم هذه الميزة. أنا حقيقة مبدع باكتشاف نقاط الضعف، وغالبية الأسرى لا يفكرون بالهرب، يعتقدون أن هذا مستحيل.
وجد الشهيد صالح طحاينة (3) طريقة، وكذلك شباب "الجهاد الإسلامي" في العام 1987، فهربوا من السجن (سجن غزة المركزي). الهرب من السجن نابع من الأمل. كانت معنوياتي مرتفعة في السجن لأن لديّ أمل بأن تتم صفقة تبادل، وإن استثنيت منها، سأجد وسيلة أخرى لأخرج. عندما يعيش الأسير على الأمل وعلى فكرة الهرب، يرتاح بسبب الفكرة.

المقاومة، هي الحرية. عندما كنا نقاوم، كنا نشعر بالحرية.

كان هناك وسائل أخرى للهرب لم يكن يعرفها العدو، لكنها فشلت، كان العدو يعرف شيئا لكنه غير متأكد منه. في نهاية عام 2012، حاول بعض الأسرى الهرب من سجن شطة، استمر المشروع 16 شهرا، اطلق عليه اسم "نفق الطريق الى القدس"، بمشاركة ثابت مرداوي، أيهم كمامجي، يعقوب غوادرة. في الوقت ذاته، كان هناك مشروع هرب آخر من سجن جلبوع، مع الأسير فهد صوالحي ومهند زيود ومجموعة من الشباب، قد بدأ منذ أربعة أشهر.
اكتشف الصهاينة نفقين في هذه الفترة. عندما بدأنا العمل في نفق سجن شطة، كان شاب معنا في القسم يعلم به، فنُقل الى سجن جلبوع، فبدأ الشباب بحفر نفق في سجن جلبوع بالتوازي مع سجن شطة، لكن دون ان يبلّغوننا عن مشروعهم، للأسف الشديد، وكان هذا خطأ. تم اكتشاف نفق سجن جلبوع في شهر تموز بعد شهر من اكتشاف نفق سجن شطة في شهر حزيران، فاكتشفوا النفقين بالصدفة.

"نفق الطريق الى القدس"
بداية القصة : ابتدع أسير من حركة فتح طريقة بائسة وصعبة للهرب، فاخترع بدلة سجّان وضعها في شنطة بانتظار يوم الهرب. فتم اكتشاف البدلة خلال التفتيش الذي تقوم به إدارة السجون شهريا، فكانوا يبحثون عن أجهزة تواصل، فإذ بهم يجدون البدلة، فاعتبروا الوضع خطير، وخاصة أن الأسرى الجنائيين كانوا قد أدخلوا قبل شهور أسلحة الى السجن وقتلوا سجان. كانت المخابرات الصهيونية تخشى دخول السلاح الى الأسرى الأمنيين.
فتم نقلنا الى سجن جلبوع ليتم تفتيش كبير. لو كانوا يعلمون ان هناك نفق، لن يبلغوننا بالانتقال. جهّزنا المكان واخبأنا كل شيء ورُحّلنا الى سجن جلبوع. فأحضروا أجهزة دقيقة تبحث عن السلاح في سجن شطة، فاكتشفوا النفق في الوقت الذي كنا فيه في سجن جلبوع. اكتشفوا نفق سجن شطة خلال الحرب على غزة.
كان هناك عدة محاولات هرب أخرى، لكن هذه المحاولة كانت الأكثر شهرة. وضعوا لي شارة حمراء التي تعني أنني خطير بسبب محاولة الهرب. فوضعوني في العزل الانفرادي، مع ثابت مرداوي، مدة سنة تقريبا، حتى وسط عام 2015.
أضرب عن الطعام أحد أسرى حركة الجهاد الإسلامي، نهار السعدي، لمدة 40 يوما يطالب الخروج من العزل الانفرادي، كنا معه، ومن إنجازات هذه المعركة، خرج 17 أسيرا كانوا بالعزل الانفرادي بسبب نفق سجني شطة وجلبوع. كنت أعرف أنه في سجن جلبوع ثغرة لا أحد يعرفها إلا أنا، فبدأت أخطط للعودة اليه. صدفة، تم نقلي إليه بعد سجن نفحة في العام 2016، بسبب قضية هواتف في سجن نفحة، فتم نقل الجميع من سجن نفحة الى سجن جلبوع. بدأت أفكر بالمشروع وكيفية إنجازه.
رغم أننا كنا على لائحة "الخطيرين"، استطعنا أن نقنع إدارة مصلحة السجون بأننا طيّبين. لم أعمل مشاكل لأن المشاكل الصغيرة تلفت الانتباه، وكانت علاقاتي بالأسرى جيدة في الوقت الذي كانت فيه الرقابة عليّ شديدة، فكانوا ينقلوني بين الحين والآخر من غرفة الى أخرى وأحيانا من قسم الى آخر في السجن. كنت في تنظيم حركة الجهاد الإسلامي، لكن يعرفون أنني لست متطرفا ضد إدارة السجون، والمتطرف بالنسبة لهم هو من يواجههم ويقوم بإضرابات كثيرة. كنت أهتم من ناحيتي بالأمور الثقافية والتعليمية.

كنت أعرف أنه في سجن جلبوع ثغرة لا أحد يعرفها إلا أنا، فبدأت أخطط للعودة اليه. صدفة، تم نقلي إليه بعد سجن نفحة في العام 2016، بسبب قضية هواتف في سجن نفحة، فتم نقل الجميع من سجن نفحة الى سجن جلبوع. بدأت أفكر بالمشروع وكيفية إنجازه.

السيرة قبل الاعتقال
عندما تم اعتقالي المرة الأولى كنت انتمي الى حركة فتح. في السجن، تأثرت بعدد من معتقلي حركة الجهاد الإسلامي، مثل الشيخ نضال زلوم وممثل الحركة الحالي في ايران، ناصر أبو شريف، وتأثرت خاصة بأخي الذي أمضى 20 عاما في السجن، والذي كان ينتمي الى "عشاق الشهادة"، الجناح العسكري في وقتها لحركة الجهاد في الضفة الغربية، كما تأثرت بالشهيد صالح طحاينة. وقد قرأت أدبيات كثيرة للحركة. لذلك، عندما تم الإفراج عني في 1996، كنت انتمي الى حركة الجهاد الإسلامي. كان الشهيد صالح طحاينة محكوم بالسجن 30 عاما، لكنه هرب من السجن في الوقت الذي خرجتُ فيه (1996). التقيت به، فكان يعيد تشكيل الجهاز العسكري في الضفة الغربية، "عشاق الشهادة"، وكنت موجود معه. نفّذنا سويا عدة عمليات ضد العدو الصهيوني، منها عملية قرب مستوطنة "أرييل"، في قرية بديا، فقتل فيها شرطي، وفي العملية الثانية، أصيب اثنين وقتل واحد صهيوني، فتم اعتقالي.
كان هناك عدة محاولات لتنفيذ عمليات باسم "عشاق الشهادة"، لكن لم نتوفق فيها. تعرفت أيضا على الشهيد نعمان طحاينة (4)، لفترة قصيرة في السجن، شهرين أو ثلاثة، فهو عبقري، من الشخصيات الفريدة والمؤثرة بشكل كبير، درست على يديه وكنت أسمع بعض محاضراته. فتم اعتقالي المرة الثانية (22/9/1996) بناء على شبهات وليس بسبب الخليّة العسكرية التي شكّلنهاها، لم يكن لدى جهاز مخابرات العدو معلومات عنها، لكن بعد اعتقالي ودخولي للسجن، تم اكتشاف مسألة الخليّة والمجموعة، فأعادوني للتحقيق.
في ذلك الوقت، بعد اتفاقيات أوسلو (1993)، تابعت "إسرائيل" القمع والقتل، وخرج جيشها فقط من المدن الفلسطينية، كنا نرى العدو في كل مكان، فلم يشعر الشعب الفلسطيني بالتحرّر. لذلك استمرت عمليات المقاومة ضد العدو مدعومة من الحاضنة الشعبية.

في سجون العدو

مسألة التعليم
كل التنظيمات تقوم بالتعبئة والتثقيف، الى جانب التعليم، لكن حركة فتح بشكل أقل، فإنها تشدّد على التعليم الجامعي وليس على القراءة والتثقيف. فدرس كثير من الحركة (فتح) في الجامعة، مع الدكتور مروان البرغوثي. لكن حركتا الجهاد الإسلامي وحماس لديهما برنامج ثقافي للتعبئة والتوجيه والوعي. كنت أهتم كثيرا بهذه الأمور، وأي سجن أدخله أذهب الى المكتبة لأنني أحب القراءة.
فكنت أمنح دروس، خاصة في تاريخ فلسطين والقضايا الإسلامية. ألّفت كتبا، موجودة الآن في غزة، لم يتم طباعتها، أول كتاب عن تأثير فكر الغزالي على فكرة الجهاد الإسلامي، وعلى الدكتور الشهيد فتحي الشقاقي، ومسألة الإسلام الوسطي، والفكر الأزهري الوسطي. والكتاب الثاني حول ظاهرة العملاء في فلسطين، بعلاقتها مع الأمن، وتعامل التنظيمات معها، لأنها لم تكن دائما صحيحة ولا شرعية، فقد حصل تجاوزات، فاعتبرت أن القواعد التي اعتمدت عليها التنظيمات لمعاقبة العملاء ليست صحيحة، ثم أخيرا لديّ كتاب عن النفق، فقد هرّبته من السجن، لا يمكن إصداره قبل انتهاء حرب الإبادة على قطاع غزة، لأسباب إعلامية. وألّفت أيضا كتابا على شكل رواية يتناول مشاكلنا الداخلية، لكنه ضاع.

الحركة الاسيرة قبل وبعد 7 أكتوبر
كانت الحركة الأسيرة قبل ال7 من أكتوبر مسيطرة على السجون بالقوة، كل الإنجازات التي حققتها كانت بالقوة، وليست منّة من العدو. العدو كان مجرما كما هو الآن، لكن كشّر عن أنيابه بعد حرب 7 أكتوبر. كان أهم شرط بن غفير على نتنياهو من أجل دخوله الى الحكومة، أن يتم اطلاق يده داخل السجن. فحدث ذلك، الحرب في السجون هي ذات الحرب الموجودة في الخارج، اعترفوا الى الآن باستشهاد 110 أسير، هذه تقارير إعلامهم، لكنهم قتلوا الآلاف، وهذا ما سيكشفه المستقبل. كان للانقسام أثر سلبي على الحركة الأسيرة، لكنني تفاجأت بعد عزل د. مروان البرغوثي ولقائي به وببعض القيادات الفلسطينية، من حركتي فتح وحماس، بأن عملية الهروب رمّمت كثيرا من الانقسام الذي حدث، كما قيل لي، وتم تشكيل لجنة طوارئ وعادت الحركة الأسيرة الى سيرتها الأولى.
عندما قرّرت إدارة السجون الاستفراد بحركة الجهاد الإسلامي، وقفت التنظيمات موقفا إيجابيا وعملية الهروب ألهمت كافة التنظيمات. مع أن حركة الجهاد الإسلامي هي التي حفرت النفق، كنا نريد تقديم رسالة لشعبنا أن هذا الإنجاز هو ليس فقط للجهاد الإسلامي، لأننا لا نفرّق بين فلسطيني وآخر. لقد أخرجنا زكريا الزبيدي، وكان المطلوب إخراج آخر من "حماس" لكنه تأخر للمجيء، وآخر من الجبهة الشعبية، نادر السامري، للأسف الشديد الوحيد الذي حضر هو زكريا الزبيدي. كنا نتمنى أن نكون أكثر من 6، ان يكون الأسرى من كل ألوان الطيف الفلسطيني في النفق. كنا نبحث عن الوحدة الوطنية من خلال الهروب. كان إجماع لدى الأسرى حول عملية الهروب التي أثرت بشكل واضح على وحدة الحركة الأسيرة. فتشكلت لجنة الطوارئ وحققت إنجازات كبيرة، وعلى رأسها إدخال الهواتف عند الأسيرات والمرضى والأشبال. إضافة الى أنها شكلت في الوعي مرحلة بطولية كانت مصدر إلهام لكل التنظيمات، خصوصا أن المسؤولة عنها هي حركة الجهاد الإسلامي، المقبولة لدى "حماس" و"فتح" والجبهة الشعبية.

السجون بعد السابع من أكتوبر والسجانين الدروز
في العزل الانفرادي، كنا نعيش أقل ضغطا من الأقسام وكنا مع الجنائيين، كل جزء بغرفته في قسم واحد. بعد الحرب، عزلوا الأمنيين عن الجنائيين ووضعوا الأمنيين في قسمين، قسم في سجن ريمون وقسم في سجن مجدو. في قسم ريمون، كان القمع أقل حدة من سجن مجدو، حيث كان "المسلخ" الحقيقي. كان يمارس القتل والتكسير سجّانون من الطائفة الدرزية، لقد تحوّلوا الى وحوش. فكانت أقسى السجون في معاملة الأسرى هما سجن شطة وسجن جلبوع وكل السجانين في السجنين من الطائفة الدرزية. تواجد أسوء السجانين في سجن شطة، جميعهم من الطائفة الدرزية، منهم نظير سبيتي، الذي يُعد من أسوء الضباط. كان الضباط يعطون الأوامر ويمارسون القتل، والتحطيم، والتكسير، والضرب، والإهانة.
نقلوني الى سجن مجدو المسلخ، فكان السجانون يضربون ويحطمون، لكن ليس أمام الكاميرات، يضربون في كل منطقة تغيب عنها الكاميرات. ليس داخل الغرف كاميرات، فيضربون في الغرف أو في الغرف المغلقة. هناك بعض الغرف خاصة للمرضى النفسيين، فلا يضربون فيها بسبب وجود كاميرات. انا الحمد لله لمّا نقلوني الى سجن مجدو، بسبب عملية الهروب، وضعوني في غرفة فيها كاميرا ولم أُضرب. أراد السجانون الدروز الإثبات للصهاينة إنهم أكثر صهيونية وأكثر عنفا منهم.

الانطباع بعد التحرير : كانت تأتينا الأخبار من غزة لأننا كنا قد هرّبنا راديوهات، لكن بقيت هذه الأخبار شحيحة، وكنا ندرك ان الأوضاع قاسية. وكان العدو، من جهته، يسرب لنا أحيانا أخبار مغلوطة لتحطيم معنوياتنا وإرادتنا.

كنا نتمنى أن نكون أكثر من 6، أن يكون الأسرى من كل ألوان الطيف الفلسطيني في النفق. كنا نبحث عن الوحدة الوطنية من خلال الهروب

عملية التحرّر
عندما أعلنوا عن اسمي، كان من المحتمل العودة الى السجن، لأنهم أرجعوا الكثير من الأسرى في وقت سابق. استخدموا هذا الأسلوب. في شهر كانون الثاني 2025، أُعلن عن اسمي، فنقلوني الى سجن حيث ينتظرالمفرج عنهم، وتفاجأت حينها انهم نقلوني الى عزل مجدو. لما أُعلن عن اسمي في المرة الثانية، كنت واضع "خط الرجعة"، وبقيت هكذا حتى انتقلت من الجانب الصهيوني الى الجانب المصري، أيقنت ساعتئذ ان الموضوع جدي، وخاصة عندما خرجنا من المعبر ودخلنا الى مصر. هناك فرحة لكنها ليست عادية، أدركت معنى كلمة "الفرحة منقوصة"، هناك غصّة كبيرة، الثمن من أجل حريتنا عال جدا، لكن الشعوب التي تعد ضحاياها تحت الاحتلال لا تتحرر أبدا، والشعب الذي يقدم هذه التضحيات من أجل أسراه حري به أن يتحرر، هذا هو عزاؤنا، هذه الدماء ثمارها الحقيقي هي تحرير فلسطين.من بين الذين بقوا في السجن والأقسى علينا هو يعقوب (قادري الغواردة )، المحكوم بالمؤبد، من بين الستة الذين هربوا، وهو مريض، وضعه صعب. بقاء يعقوب غصّة كبيرة. أما بالنسبة للآخرين، فبقي لمناضل انفيعات سنة، فهو محكوم 7 سنين، وهناك غصّة أيضا بسبب علي أبو بكر ومحمد أبو بكر وقصي أبو مرعي، من المساعدين، سيتم الافراج عنهم بعد خمس شهور. لم تعد إمكانية اليوم إطلاق سراح الأسرى، لكن لا يمكن نسيان موضوع الأسرى، ويبقى هذا الموضوع سببا لحرب جديدة. ومطلوب الآن مطالبة المقاومة بتحسين ظروف الأسر وتعود الأوضاع كما كانت في السابق، على الأقل.

الشعوب التي تعد ضحاياها تحت الاحتلال لا تتحرر أبدا، والشعب الذي يقدم هذه التضحيات من أجل أسراه حري به أن يتحرر، هذا هو عزاؤنا، هذه الدماء ثمارها الحقيقي هي تحرير فلسطين

إسقاط شرعية العدو وأشكال المقاومة

للمقاومة أشكال كثيرة، الكاتب مقاوم، قلمه صاروخ وكلمته قنبلة، وهي تصنع الوعي. الطالب والمدرّس مقاومة، لأنهما يصنعان الوعي. الكاتب الإعلامي المؤيد للقضية يستخدم الصوت والصورة. هذا العدو لا يسقط إلا بنزع شرعيته، شرعيته لا تسقط بالبندقية، والسقوط الأهم هو سقوط شرعيته الإنسانية والدولية. من أخطر الأمور اليوم، أن شرعية الصهاينة الإنسانية سقطت لدى جماهير العالم، ولأول مرة يتم انكشافهم الى هذا الحد. كانوا يتهمون العرب بالكذب عندما كانوا يندّدون بالمجازر الصهيونية، لكن اليوم صارت وحشيتهم واضحة بالصوت والصورة.
رغم أولوية المقاومة المسلحة، هناك جوانب كثيرة يجب عدم اغفالها، مثل الإعلام، التربية والتعليم، فهي أدوات للمقاومة. المقاومة المسلحة هي المركز يدور حولها محور، ولن تكتمل الصورة إلا بالمركز والمحور سويا : لا معنى للمدينة إلا بوجود الريف، وعملية التحرير ليس لها معنى بدون بندقية. لكن المشكلة هي عندما وضعت حركة الجهاد الإسلامي كل جهودها وطاقاتها بالقوة المسلحة، وأنا اؤمن بهذه المسألة لكن هناك جوانب يجب عدم إهمالها، كالإعلام، التربية والتعليم، كلها أدوات المقاومة. يجب علينا صناعة جيل متماسك، ليكون جبهة حقيقية ضد هذا العدو. عندما تسقط البندقية في لحظة من اللحظات، وتتراجع للخلف، سيعيد هذه البندقية المثقف والمتعلم، الجيل الذي تعلّم.
سقطت شرعية العدو، لكن ننتظر اللحظة التاريخية التي يسقط فيها هذا الكيان. لأول مرة أدركَت شعوب العالم دور هذا الوحش الموجود في المنطقة وأنه هو ليس دولة حرة، بل جزء من الثقافة الغربية. اذا تعرضت يوما "إسرائيل" لضربة حقيقية، لن تتعاطف الشعوب معها، إن كانت ضربة مثل السابع من أكتوبر، من قبل تنظيم أو تنظيمين، أو من دولة او دولتين في المستقبل، وإن تحركت المقاومة في لبنان أو ايران، ستسقط الدولة.

الهوامش

  1. ولد الشهيد عصام براهمة (1963-1992) في قرية عنزة بتاريخ 5 مايو/أيار 1963، اسرته مكونة من ستة أفراد، له ثلاثة إخوة وأختان. نشأ على حب القرية والأرض والوطن، وكان منذ الصغر متمسكا بالدين وتعاليمه السمحة. كان له دور بارز على صعيد النشاط السياسي، ينظم الإضرابات ويقود المظاهرات التي كانت تخرج من المدارس. انخرط في صفوف حركة فتح، وقام بتنظيم آخرين مكونا بذلك خلية عسكرية وقام بتدريب أعضاءها على السلاح. تم اعتقاله في مدينة جنين في العام 1986 وحكم عليه بالسجن الفعلي لمدة أربع سنوات. أثناء وجوده في السجن، اتصل بشباب حركة الجهاد الإسلامي، ناقشهم ووجد عندهم ما يتلاءم مع فطرته وعقيدته وطموحه. إفرج عنه في 17 أيار/مايو 1990. أصبح مطاردا من قبل جيش العدو ومخابراته منذ 5 يوليو/تموز 1992، حين داهمت قوات العدو منزله ولم تجده. منذ ذلك الحين، أصبح المسؤول العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين في منطقة جنين، وكان يدرّب المجاهدين على السلاح ويكوّن المجموعات العسكرية "مجموعات عشاق الشهادة". استشهد يوم 10/12/1992، بعد دخول قوات خاصة صهيونية الى القرية وتطويق المنزل المتواجد فيه. دارت معركة بطولية بين الشهيد وقوات العدو، امتدت لتسع ساعات. قام جيش العدو بإحراق البيت. بعد إطفاء النار، اقتحم الجيش البيت، فأطلق عصام براهمة الجريح النار على الجنود. ↩
  2. ولد الشهيد خضر عدنان موسى في بلدة عرابة بتاريخ 24/03/1978 واستشهد في سجن الرملة فجر يوم 02/05/2023، في عمر 45 عاما، خلال إضرابه عن الطعام، الذي خاضه فور اعتقاله في يوم 05/02/2023. لم يكن هذا الإضراب معركته الأولى حيث خاض معركة "الأمعاء الخاوية" 13 مرة قبلها رفضا لاعتقاله الإداري، والتي أسفرت كل مرة عن تحرّره من السجن. مثّل القائد الشهيد خضر عدنان مدرسة الوفاء للشهداء والأسرى، التي كان يزور عائلاتها باستمرار، ويحث جماهير شعبه الى إبقاء شعلتهم واقدة. هذا ما أزعج العدو الصهيوني والسلطة الفلسطينية التي اعتقلته وحاولت اغتياله بعد صعود الكتائب المقاومة في مخيمات الضفة الغربية. من تعاليم الشهيد : الكرامة أغلى من جوعي، الإيمان، الصدق مع الشعب ومع الذات، رفض الانكسار، التفاؤل بالانتصار. ↩
  3. الشهيد صالح طحاينة (1968 – 1996) ولد الشهيد القائد صالح موسى خليل طحاينة في 28 سبتمبر 1968م في بلدة السيلة الحارثية بمحافظة جنين وفيها نشأ وترعرع بين أسرته المكوّنة من الوالدين وأربعة أشقاء وأربع شقيقات. ظهر خلال الأيام الأولى للانتفاضة عام 1987م، من أكثر أبناء البلدة حماساً وجاهزية للاشتباك. صار واحداً من أبناء الجهاد الإسلامي وناشطاً بارزاً في الحركة، الأمر الذي أدى لاعتقاله مرات عديدة. اعتقل وهو ابن السادسة عشرة من عمره بتهمة حيازة قنبلة قديمة. بعد خروجه من السجن تفرغ للعمل العسكري، فقام بالاشتراك مع الشهيد القائد عصام براهمة بتشكيل خلايا "عشاق الشهادة" العسكرية التابعة لحركة الجهاد الإسلامي. اعتقل القائد صالح قبل استشهاد عصام بشهرين. صدر الحكم عليه بالسجن ثلاثة وثلاثين عاماً تنقّل بين أقبيتها الظالمة إلى أن تمكن من تحرير نفسه في عملية هروب جريئة. بعد عملية الهروب الناجحة أراد الشهيد القائد صالح مواصلة جهاده ضد الاحتلال. بعض العمليات الجهادية التي نفذها : عملية بديا وعملية الخضيرة، إلى جانب عمليات إطلاق النار صوب المحتلين، ومحاولات اختطاف جنود. في يوم 4/7/1996، تم العثور على الشهيد صالح طحاينة، وكانت علامات التعذيب بادية على جسده بأفظع الأساليب. تبيّن لاحقا أن الشهيد قد استشهد قبيل ذلك بثلاثة أيام. ↩
  4. ولد الشهيد القائد نعمان طاهر صادق طحاينة (أبو الحسين) (1971 – 2004) في قرية سيلة الحارثية بتاريخ 14/3/1971م، ونشأ على مائدة القرآن في مساجد البلدة وتميّز بذكاء خاص في دراسته. بدأ مشواره مع حركة الجهاد الإسلامي وجناحها العسكري سرايا القدس، وهو فتى صغير وتحوّل إلى أبرز المنظّرين داخل هذا المشروع، فقد تمتع بقدرات عالية بالتفكير والإبداع. دخلَ السجنَ لأولِ مرةٍ نهايةَ عام 1987م، وبدأتْ رحلتُهُ القلميةُ في السابعةِ عشرَ من عمره بكتابةِ دراسةٍ عن تنشئةِ الكادرِ الحركي. ثم اعتقل في العام 1993، بعد استشهاد القائد عصام براهمة واعتقال القائد صالح طحاينة. في السجن، كتب دراسة بعنوان "حول اَلية الإعلام المرافق للمسيرة السلمية"، وقد نسخها الشهيد رياض خليفة في "كبسولات" حتى يتم إخراجها ونشرها (القيادي جمعة التايه). بعد الإفراج عنه، درس في جامعة النجاح الوطنية - قسم الصحافة والإعلام. تَنوَّعَتْ أدْوَارَهُ وجُهودَهُ في المجالات التعبوية والإعلامية وأشرف على مجلة "المجاهد" الأسبوعية مطلع انتفاضة الأقصى. لقد وُصِفَ بالمكتبة المتجولة، حيث كانَ في أيام مطَارَدَتِه، يحملُ على كتفه حقيبةً من الكُتِب، ولا يُرى إلا وَجَليسُه كتابٌ. اختطفتهُ أجهزةُ السلطةِ في جنين عام 1997م ثم أفرَجَتْ عنهُ بعدَ عِدَّةِ أشهرٍ، ثم أعادتْ اعتقالَهُ لمدةِ عامين. في يوم 13/ 7 /2004م، نصبت الوحدات الصهيونية الخاصة المتخفية بالزي المدني كمينا وباغتته عقب مغادرته المشفى في "حي الزهراء" في جنين حيث كان يتلقى العلاج، واغتالته بدم بارد أمام المارة. ↩
ه

المزيد من المقالات