أوراق تحرّرية
حوارات وتحقيقات

مع المحرّر جاسر رداد - أبو الليث

ولد في يوم 27/4/1975 في صيدا قضاء طولكرم، واعتقل يوم 15/2/2002 في صيدا أيضا. يتذكّر المحرّر مراحل المقاومة وبداية حركة الجهاد الإسلامي في بلدة صيدا ويتذكّر شهداء البلدة وأسراها.

المقاومة وحركة الجهاد الإسلامي

بايجاز، لا أستطيع ان أفصل نفسي لا عن مقاومة حركة الجهاد الإسلامي ولا عن مقاومة الشعب الفلسطيني بشكل عام، لأن حركة الجهاد الإسلامي حلقة من حلقات المقاومة التي عاشها الشعب الفلسطيني منذ ثورة القسام (1935) أو ثورة البراق (1929). لذلك، نحن جزء مما بنوا أجدادنا، واستكمال لهم بعد سقوط الدولة العثمانية وانهيار النظام الذي كان حاضنا لقضية فلسطين والشعب الفلسطيني. الشعب الفلسطيني يراكم النضال منذ زمن، ونحن في "الجهاد الإسلامي" حلقة من هذه الحلقات.
اذن، مشروع المقاومة هو امتداد لجميع المقاومين والشهداء تحديدا، الذين هم عند رب العالمين، فاستشهدوا على سيرة طيبة بغض النظر عن انتماءاتهم وفصائلهم. نحن جميعا أكملنا هذا المشروع وهو مشروع التحرير.
كيف أتت الى رأسي فكرة المقاومة ؟ أقول في هذه اللحظة الله يرحمك "يما"، التي توفّت وانا في السجن، وعرفت انها متوفية بعد عشرة شهور. بعد الله عز وجل، هذه الأم ربّتني على حب الوطن، فلسطين، وحب كل شيء جميل في هذا الوطن. كان ابن خالتي فدائيا في حركة فتح، في منظمة التحرير، وتم أسره بسبب عملية فدائية، ثم اطلق سراحه في صفقة "أحمد جبريل" (الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين- القيادة العامة) في العام 1985(عملية "النورس")، يعني أنه كان أسيرا، اسمه عاهد رداد (أبو مجدي). كانت أمي تحكي لنا دائما عن ابن خالتي، ونحن أطفال صغار، تقول دائما "ابن خالتكم" كذا وكذا. طفل صغير يسمع هذا الكلام من أمه، وكنت أصغر أخوتي، وعلاقتي بأمي تختلف عن أخوتي. زرعت أمي الفكرة أن المقاومة موجودة، وأن هناك شيئا اسمه نضال وهي تحدثني عن ابن خالتي، الذي كان مسجونا ومحكوما بالمؤبد، وقضى 17 سنة في السجن. هنا بدأت بذرة المقاومة، كنت أتساءل لماذا هو في السجن ؟ فكان لا بد من الإجابة على هذه الأسئلة، والإجابة جاءت مع الزمن.
فكرة المقاومة من هنا جاءت، لا علاقة لها، لا ب"الجهاد الإسلامي" ولا بأي حركة. ابن خالتي قريبي وهو فدائي. سابقا، كان لكلمة "فدائي" وقعها على النفس، تعني النضال والمقاومة، وكانت هي الفكرة.
المؤثر الثاني في حياتي، هو شريط تسجيل لفرقة "العاشقين" الذي يتحدث عن فؤاد حجازي ومحمد جمجوم وعطا الزير الذين أعدموا على يد البريطانيين خلال ثورة البراق في سجن عكا (1930). هذا أول شريط أشتريه في حياتي، فكان وكأنه بوصلة. هذه التفاصيل الصغيرة مهمة جدا لانها لا تعبّر عن فكرة حزب معيّن بل عن فكرة جيل يقاوم، جيل عطا الزير. انا لا أعرفه، أبي لا يعرفه، فترة عطا الزير ومحمد جمجوم هي امتداد لليوم، لا يمكن الفصل. هذه حقيقة تاريخية يجب أن يُقرأ التاريخ الفلسطيني بهذا الشكل، بمعزل عن ما هو دور "حماس" أو "الجهاد الإسلامي "أو "فتح"، هي مشروع مقاومة متكامل، واذا فكّرنا بهذه الطريقة، لن نختلف.

زرعت أمي الفكرة أن المقاومة موجودة، وأن هناك شيئا اسمه نضال وهي تحدثني عن ابن خالتي، الذي كان مسجونا ومحكوما بالمؤبد، وقضى 17 سنة في السجن. هنا بدأت بذرة المقاومة

هذه هي الفكرة. طفل صغير لا يعرف شيئا، بدأ يبحث عن الطريق الذي سيسير فيه، لم يكن هناك "جهاد إسلامي" في بلدة صيدا (قضاء طولكرم)، كان عندنا "حماس" و"فتح" في بداية الانتفاضة الأولى (1987). كنت ومجموعة من الأخوة، أولاد الحارة، منهم الشهيد أنور عبد الغني (1)، والشهيد أحمد رداد (أبو ساجد) (2)، والأسير المفرج عنه أحمد فني، وآخرين. ذكرت هؤلاء لأنهم من استشهد أو كان أسيرا. أولاد حارة يلعبون مع بعضهم البعض، غير معجبين لا ب"حماس" ولا ب"فتح"، بدأوا البحث عن فكرة جديدة. ولم نجد هذه الفكرة قبل أسر الشهيد أنور عبد الغني.
أول أسير من بلدة صيدا كان أنور عبد الغني، فتم اعتقاله بعد إحدى المواجهات، فكان معاق في ساقه، فاعتقل. كانت حركة الجهاد الإسلامي موجودة داخل السجن، ما يعني أن حركة الجهاد الإسلامي انطلقت في صيدا من السجن، وليس من الخارج. فلم تكن الحركة موجودة في صيدا قبل ذلك الوقت. ولدت الحركة في صيدا انطلاقا من سجن مجدو على يد الشهيد أنور عبد الغني. فأعجب بالفكرة، وبعد قراءة بعض الوثائق الداخلية، بدأ أنور يكتب لنا ويطلعنا على الفكرة التي أعجبته، يخرجها لنا في بعض الرسائل المهرّبة.

فبدأت تنضج فكرة "الجهاد الإسلامي"، لكن لم نكن نعرف تماما الأمور التنظيمية، اعتقدنا في البداية اننا "جهاد إسلامي - بيت المقدس" التي يرأسها أسعد بيوض التميمي. كان هناك لغط كبير، حتى كتبنا يوما لأسعد بيوض التميمي لنعلن أننا "جهاد إسلامي". لم يرع أحد الحركة في صيدا. فيما بعد، بحثنا عن من يرعانا، لكن في البداية، رعينا انفسنا، بامكانياتنا البسيطة. كان شرط الانتماء الى هذا التنظيم دفع 5 شيكل أسبوعيا، كنا أطفال نوفّر المبلغ من المصروف اليومي للمدرسة.
هذه التفاصيل مهمة، لأن هذه الحركة العظيمة في صيدا، التي قدمت أكثر من عشرين شهيدا وقتلت حوالي 10 الى 15 إسرائيليا، وجرحت المثل، هذه الحركة لها تجربة خاصة في صيدا، من أفضل التجارب، حتى بشهادة أبو عبد الله (الأمين العام السابق د. رمضان شلّح)، الله يرحمه، لأنها استمرت. وبعد البحث، وصلنا الى "حركة الجهاد الإسلامي - تحرير فلسطين"، التي أسسها د. فتحي الشقاقي. اقتنعنا بالحركة فكريا ومبدئيا، وكنا ما زلنا أطفالا صغار. كنا نشتري كل شيء من مصروفنا، الرشاش، واليافطات، وانطلقنا.
وفيما بعد، تعرفنا على كثير من الأخوة الذين التقينا بهم في السجون، وبدأنا نغيّر التوجه الى "الجهاد الإسلامي - تحرير فلسطين". وبالفعل بدأنا ننشر هذه الفكرة، ونقنع الناس فيها، أقنعنا البعض، لكن لم يكن لدينا إمكانيات، ولو مادية، لاقناع الناس فيها، لأن في نهاية المطاف، العمل العسكري هو الفصل. المهم أننا انطلقنا لتوسيع نشاطنا وتعرّفنا على كثير من المناطق.

فتم اعتقالي في العام 1994 من قبل السلطة الفلسطينية، بتهمة انتمائي الى "الجهاد الإسلامي" ومحاولة القيام بعمل عسكري. خلال هذه الفترة كانت مجموعة "عشاق الشهادة" تعمل، إلا إنه لم يطلق علينا اسم "عشاق الشهادة" لأننا لم نقم بعمل عسكري، كونها كانت الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في التسعينات (في الضفة الغربية). كنا نسعى ان يكون لدينا شيئا حتى نكون من "عشاق الشهادة". أعرف الشهيد عصام براهمة شخصيا، وكان الشهيد حافظ أبو معلا (3) مطاردا يختبئ في بلدتنا صيدا، لكن كانت علاقتنا بهم بسيطة جدا.
"تعمقنا بهذه الفكرة ومضت الأيام حتى أصبحت حركة بمعنى الكلمة، لها أركانها ومصروفها، الذي كنا نؤمنه من التنظيم لبناء هذه الحركة. تم محاربتنا طبعا، وخاصة من قبل "حماس " التي اتهمتنا بالتشيّع، بحكم علاقتنا بإيران، وعانينا في المساجد وفي البلدة إجمالا، إلا انه استمرينا ثابتين.
الحلم العسكري يراودنا منذ الصغر، أنا والشهيد أنور عبد الغني وأحمد رداد (أبو ساجد) وغيرهما. في 1994، جاءت مرحلة "أوسلو"، تراجعت المقاومة، ونحن استمرينا نبحث عن المقاومة. في هذه الفترة، تم سجننا عند السلطة، انا سجين ما يقارب عشر مرات عند السلطة، بسبب فكرة المقاومة، فكرة الجهاد الإسلامي. في سجون السلطة، التقيننا مع أنور حمران، نعمان طحاينة، خالد زكارنة، أسعد دقة، ومن نابلس، تعرفتنا على ابو مالك رحمة الله عليه، يوسف الحاج علي، وعلى الشيخ الشهيد رياض بدير. بدأت الفكرة تتوسع وبدأت تنضج فكرة العمل العسكري في شمال الضفة الغربية، الذي يشمل طولكرم، جنين، نابلس، المثلث المهم جدا لنا لمعرفتنا بهذه المنطقة. كانت فرصة اعتقالنا عند السلطة فرصة ذهبية لأننا التقينا.
توسعت الحركة، وكلما يضيّق العدو علينا وكلما توسّع السلطة اعتقالنا، كانت الفكرة تتعمّق بالالتقاء ببعضنا، وتتمدد. في كل ضيق هناك توسّع من حيث لا ندري، واستطعنا تحويل "الجهاد الإسلامي"، في هذه الفترة، الى سرايا القدس مع بداية الانتفاضة. عندما بدأت الانتفاضة، كنا في سجون السلطة، انا كنت في سجن جنيد، مع المجموعة التي ذكرتها.. عندما خرجنا، الفكرة موجودة، الثقة موجودة، الارتباط موجود. لذلك عندما نهضت سرايا القدس او أعلنت عن نفسها في شمال الضفة الغربية، كانت قوية جدا، والأركان التي كانت واقفة عليها ليست قليلة، أسماء مثل أياد الحردان، أسعد دقة، نعمان طحاينة، كلهم شهداء، والأسرى أنا وثابت مرداوي... لذلك استطاعت حركة الجهاد الإسلامي إحداث نقلة نوعية مختلفة عن حماس وفتح، وذلك بشهادة العدو.

كان شرط الانتماء الى هذا التنظيم دفع 5 شيكل أسبوعيا، كنا أطفال نوفّر المبلغ من المصروف اليومي للمدرسة. هذه التفاصيل مهمة، لأن هذه الحركة العظيمة في صيدا، التي قدمت أكثر من عشرين شهيدا وقتلت حوالي 10 الى 15 إسرائيليا، وجرحت المثل، هذه الحركة لها تجربة خاصة في صيدا، لأنها استمرت

الاختلاف مع التنظيمات الأخرى تكمن في صوابية الفكرة التي تكفي دون التنظير اليها. الفعل بحد ذاته أكبر تنظير والصدق أيضا. عندما تطرح حركة الجهاد الإسلامي فكرة مقاومة الاحتلال فقط، فعلا وعلى مر الأيام، أثبتنا بدمنا وعرقنا لكل الشعب الفلسطيني ان ليس لنا إلا هدف واحد، مقاومة الاحتلال. رغم كل الاختلاف مع السلطة، ومع حماس ومع الجميع، إلا أنه استمرينا في هذا الاتجاه. وهذا بعد فضل الله عز وجل، بفضل قيادتنا، د. فتحي ود. رمضان، لاننا تعرّضنا في مرحلة د. رمضان لأذية كبيرة من قبل السلطة، فكان قراره واضح : ممنوع استخدام السلاح في وجه أي فلسطيني مهما كلّف الثمن، لو اعتقلت أو أطلق عليك النار. التزمنا كليا بالقرار. اذا أرادوا أخذ السلاح، فليأخذوه، نشتري بدلا عنه، أما اذا سُفك دم فلسطيني، حركة الجهاد الإسلامي تنتهي. كان هذا الرابط بيننا. اذا انغمست الحركة بالدم الفلسطيني، انتهت. هذا الفكر وهذا الوعي الذي حمله أبو عبد الله وحمّلنا إياه ونحن حمّلناه للذين من لحقنا، هذا الذي ثبّت حركة الجهاد الى اليوم، وجعل ليس فقط الفتحاوي ، بل كل واحد يريد تنظيم صادق، أن يجد "الجهاد الإسلامي". هذا ليس كلامي بل كلام كل من عناصر من فتح وحماس والجبهة الشعبية الذين انضموا الى الحركة، يقولون أن الحركة لا تهتم ب"الكراسي" وليس لهم إلا فكرة معيّنة، مقاتلة الاحتلال. لذلك كل من أراد حمل السلاح في الانتفاضة، وجد حاضنته عند حركة الجهاد الإسلامي، لأنها لم تحتكر السلاح ، بل على العكس، تمدّ بالسلاح كل من يريد مقاومة العدو.

اذا انغمست الحركة بالدم الفلسطيني، انتهت. هذا الفكر وهذا الوعي الذي حمله أبو عبد الله وحمّلنا إياه ونحن حمّلناه للذين من لحقنا، هذا الذي ثبّت حركة الجهاد الى اليوم

الفكر السياسي والعمل السياسي

اذا كان نضالي ومقاومتى سيُتوّج سياسيا باتفاق مثل "أوسلو"، أرفض التعامل مع السياسة. اذا كانت هذه هي السياسة، التي يتحدثون عنها اليوم، لا نريدها. اذا كان العمل السياسي يحرّر الوطن، نحن أهله. من ناحية أخرى، ما هو العمل السياسي الذي نتج عن اتفاق أوسلو ؟ ما هو أصلا مفهوم السياسة ؟ الكل يفسره كما يحلو له. العمل السياسي هو لتحرير الوطن بالدرجة الأولى وانهاء الاحتلال، لأن كل مشاكل الأمة ومشاكل الشعب الفلسطيني والمنطقة، ومشاكل العالم نتجت عن هذا الاحتلال. العمل السياسي يهدف لإنهاء الاحتلال ويؤسس للدولة الفلسطينية، وللاستقلال العربي - لأن الدول العربية ليست مستقلة. إن كان العمل السياسي يتطلب شرعنة اتفاق أوسلو، لا نريد ممارسته تحت هذا السقف. العمل السياسي الذي جاء ب"حماس" الى الحكم وأصبحت فيما بعد تواجه "فتح"، لا نريد ممارسته. تقول حركة حماس أنها تقاوم لا غير، ونحن نقول أننا نقاوم، لكن لا نريد قتل أحد، والعمل السياسي الذي ينتج عنه اقتتال داخلي، لا نريده، والذي يستجلب "أوسلو" لا نريده. هذا التفكير لديه اجماع لدى كل شباب "الجهاد الإسلامي".
بالنسبة لموضوع الاستثمار السياسي للعمل العسكري، نحن مقتنعون تماما ان الاحتلال لن يسمح بممارسة هذا النوع من السياسة. حاولت "فتح" خلال ثلاثين سنة. هل منطقي ان أمارس ما مارسته فتح وفشلت به ؟ أن أمارس ما مارسته "حماس" وفشلت به ؟ ماذا نريد من العمل السياسي ؟ ان أستثمر العمل العسكري في بناء الدولة، لكن لا أحد يسمح لنا ببناء الدولة. طالما تقاتل، لن يُسمح لك بممارسة العمل السياسي. كنا نناقش مع "فتح" حول سياسة أبو مازن وماذا قدّمت لنا. في مقابلة أخيرة، تطرقتُ الى مسألة سلاح المقاومة، وقلت "إذا كان بإمكانكم أن تخلّصونا من الاحتلال، نعطيكم السلاح". ماذا نريد من السلاح ؟ الجهاد الإسلامي لا يريد سلاح من أجل السلاح. عندما نحرر فلسطين، ستجد "الجهاد الإسلامي" أكبر تنظيم يسعى لبناء الدولة، هنا سنمارس العمل السياسي ونشكل حزبا. عُرض علينا خوض الانتخابات على أساس "أوسلو" لكن شرعية الانتخابات جاءت من اتفاق أوسلو. نحن نرفض كل مسار اتفاق أوسلو، لا يمكن ان نمارس جزءا منه. ممارستي للعمل السياسي، فلسطينيا، شبه مستحيل. حاولت حركة حماس ورأينا النتيجة. لا نريد هكذا نتيجة. يبقى السؤال : رغم ابتعادنا عن العمل السياسي لماذا الناس تتقرب إلينا ؟ من أجل صدقنا. الناس تقول هذا. الدليل هو المنظر الملفت عندما وصل أبو طارق (الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي) يستقبل الأسرى المحررين الساعة ثلاثة ليلا. حاول كل الأسرى التقاط صورة معه، لماذا ؟ كانت هناك قيادات أخرى، فهذا يدلّ على حب الناس لنا، لأننا صادقين، لسنا متقاتلين مع حماس ولا مع أحد.

مراحل المقاومة

تطورت فكرة العمل العسكري لدى الجهاد الإسلامي كالطفل الصغير، كان في غزة "قسم" (القوى الإسلامية المجاهدة)، وفي شمال الضفة "عشاق الشهادة" مع الشهيد عصام براهمة، وكان أخونا محمود العارضة من ضمنها. ثم تطوّرت الحركة حتى أصبحت "سرايا القدس" التي اتسعت للكل وانتشرت مع قيادة أبو عبد الله. لا يمكن ان أفصل تطور الحركة خلال هذه الفترة من فترة البناء في أيام د. فتحي الشقاقي. بداية مقاومتنا كانت فترة البناء، ثم بدأنا ننشئ في الطبقات الأخرى، كما فعل د. أبو عبد الله.. فطوّر هذا البناء الذي اسسه د. فتحي، ووصل الى ما وصل اليه. ساعد انفتاحه على الآخرين في الخارج على الدعم المادي، وكثيرا من الأمور ساعدت، كحجم الحركة في الضفة الغربية، تحديدا في شمالها، ووجود قيادات أرادت نشر هذه الفكرة ودفعت الثمن، إما بالأسر وإما بالاستشهاد. فانتشرت هذه الفكرة بدم الشهداء وعرق الأسرى والمطاردين وليس بشيء آخر والأهم رعاية الله عز وجل.
كيف انتشرت المقاومة ؟ عشرة أو خمسة عشر مسلحا في شمال الضفة الغربية يريدون مقاتلة "إسرائيل"، قد يعتقد البعض أن هذا "هبل" بالمنطق العسكري، غير أنهم استطاعوا، لأنهم قدموا الواجب على الإمكان، وهو الشعار الذي تبنّته الحركة. نحن نقوم بالواجب رغم الإمكانيات المحدودة، والباقي عند رب العالمين. هذه الحركة تسير على بركة دم الشهداء. لقد صدقنا، كيف؟ عندما كان إحدانا يُحاصر، لم يسلّم نفسه ويموت، كان صادقا. انتمَت الناس لنا بسبب تعبنا، لم نتكلم ولم ننظّر.
على سبيل المثال، يوم اعتقالي (15 فبراير/شباط 2002)، هُدم البيت عليّ، تم محاصرتي في البيت في صيدا، قُصف البيت ودمّر، خُرب سلاحي، لم يكن هناك أي منطق أن أواصل المقاومة، إلا انه كنا تعاهدنا على رفض مبدأ التسليم والتخاذل، سقط البيت عليّ وقُتل مسؤول الوحدة (الصهيونية)، من الله، وأصيب أحد الجنود واستشهد أنور (عبد الغني) واعتقل باسل (مخلوف) في هذا اليوم، وخرجت من تحت الرماد وما زلت حيا. هذا الحدث بحد ذاته شكّل نقلة نوعية في كل طولكرم. "من هم هؤلاء الناس ؟" كان تساؤل الناس.
نتحدث عن التربية من خلال المواجهة، من خلال الميدان، وأنه يجب العمل لتوعية الناس، ليس بالكلام، بل بالعمل. أعمل واجعل الناس ترى وتحكُم. لذلك نقول أن هذه الحركة لم تبنَ بسهولة، رعيناها بكل تصرّف واعٍ، بكل حركة فينا. ما حصل معي بحد ذاته أنتج فضولا في كل المنطقة - وسمعت الكلام من الناس – : من هم هؤلاء الناس ؟ ليسوا طبيعييّن، أرادوا التعرف على هذا النوع من المقاومين. يكتب "الإسرائيلي" "ان أشرس مقاومين نواجههم هم أبناء "الجهاد الإسلامي" لانهم يرفضون خيار التسليم، على عكس الفصائل الأخرى"، هذا الكلام "إسرائيلي". هذا ما نقلناه الى الفصائل الأخرى. انفتاحنا على الجميع جعلنا نقاتل مع فتح وحماس، كنت أقاتل معهم، ليس لدي إشكالية مع حماس أو فتح، اشكالياتنا مع العدو. لذلك تجد الناس تقرّبوا الينا.
مثال آخر : وصلت كتيبة جنين الى ما فوق ال200 - 300 مسلح، جميعهم من أولاد أجهزة السلطة، لكن من سلّحهم ؟ على الأغلب "الجهاد الإسلامي". لماذا انتمى الكل للكتيبة ؟ لماذا الكتيبة تسمى بسرايا القدس ؟ في الأصل، المؤسس ينتمي الى الحركة، ويوجد 20 فردا من "الجهاد إسلامي" في الكتيبة. كانت الكتيبة تضم، في فترة معينة، 300 مقاتلا. تشكلت في البداية، ثم توسّعت، ونضم اليها أبناء فتح. ما أعنيه، المهم أن تصْدق، وتترك الباقي.. لا تقول للناس من أنت. اجعل الناس ترى من أنت وأفعالك.
لم أتكلم كثيرا عن الموضوع الشخصي، انا كهؤلاء الشباب. حملنا السلاح وقاتلنا، الله عطانا العافية، قتلنا الذي قاتلناه، جرحنا الذي جرحناه، وأُصبنا. أبرز العمليات التي شاركت فيها، عملية في باقة الشرقية، كنت مع الشهيد أبو ساجد (أحمد رداد)، قتلنا فيها جندي وجرحنا آخر. وإحدى العمليات كانت اشتباك واصابة جندي في منطقتنا، وشاركت في عملية آخرى جزئيا وبشكل متأخر، هي عملية الاستشهادي مراد أبو العسل، الذي دخل الى سيارة المخابرات. في يوم اعتقالي، الله أكرمنا بمقتل هذا الضابط، لم اقتله أنا، هذا باختصار العمليات العسكرية التي نفذتُها و بعض الاشتباكات المسلحة، لحين تم اعتقالي.

نتحدث عن التربية من خلال المواجهة، من خلال الميدان، وأنه يجب العمل لتوعية الناس، ليس بالكلام، بل بالعمل. أعمل واجعل الناس ترى وتحكُم.

المقاومة في السجن

كان لاعتقالنا دور آخر لمفهوم المقاومة. في السجن، تقف أمام خيارين، أو تستسلم، تجلس، وتندب حظك وتقول أنا أسير، أو تنطلق مجددا بأدوات آخرى. المقاومة داخل السجن تختلف، ليس لدينا سلاح، فقاومنا بوعينا وفهمنا. تثقفنا، درسنا، رغم كل ظروف الاحتلال، ثبّتنا أنفسنا. أنا درست في الجامعة، انهَيت بكالوريوس في التاريخ. كنا نتعامل مع الجامعات بالتهريب، هنا أيضا استمرينا بالمقاومة بطريقة أخرى، كان الاحتلال يريد كيّ وعينا من خلال السجن، ويجعلنا مُحبطين وفاشلين. أغلب الأسرى رفضت وقاومت. في "الجهاد الإسلامي"، حصل الجميع على شهادات جامعية وصلت للماجيستر. هذه مقاومة أخرى، كنا نصبر ونثبت، لحين يهوّنها الله علينا. أمضينا هذه الفترة بهذا الشكل، بين الكتاب والأهل والأصحاب. شخصيا، انا متزوج ولي ابن اسمه ليث وابنة اسمها سرايا.
إضافة الى الشهادات والتعليم الجامعي، كنا نثابر لتثقيف أنفسنا. ما يميّز الأسر هو انك في مكان محصور، ولديك مساحة من الوقت تريد استغلالها والاستفادة منها. كنا نناقش كثيرا بسبب وعينا غير البسيط، ومتابعتنا للأخبار والأمور السياسية. يمكن ان نرى اليوم أن ما بنيناه في الأسر أثمر. كنا نجبر الناس على متابعة الجلسات التثقيفية ونعمل حلقات سياسية لمناقشة أي موضوع. على الصعيد الخارجي أو الداخلي كفكرة "الجهاد الإسلامي"، كانت النقاشات تغني العقل بالأفكار، كما كنا نستعير بعض الكتب، ونتابع الأخبار، كل ذلك حتى نبقى ضمن مشروع المقاومة الذي ننتمي اليه.
فكان علينا ان نحصن أنفسنا فكريا وسياسيا واجتماعيا، وأخلاقيا، وغير ذلك. أين وجدنا ثمارها ؟ في البداية، زرعنا ووجدنا سرايا القدس في 2000-2001. في السجن أيضا، زرعنا ووجدنا نتائجه اليوم، حيث يمكن لأي منا ان يتكلّم تلقائيا على الفضائيات ويتكلّم لساعات. لولا اهتمامنا هناك ولولا دراستنا هناك، نكون اليوم على شكل مختلف. هذا على صعيد الإعلام، أما على صعيد الحياة الاجتماعية، لو لم نكن هكذا، هل يمكن لنا ان نتعايش مع المجتمع ؟ اليوم، هناك أسرى تائهين، هم النموذج الآخر للأسف، كما هو الحال عند "فتح"، لم يهتموا بذاتهم كما كنا في "الجهاد الإسلامي" و"حماس". يعيش بعض الأسرى الى الآن حالة الأسر، خلافا لما نحن فيه اليوم، لقد خرجنا وانتهينا من الأسر. أخذتُ القرار أن الأسر انتهى، وإنني في مرحلة جديدة اسمها الإبعاد والغربة. كيف سأعيش هذه المرحلة ؟ بمواصلة المقاومة وتحصين النفس، تحصين البيت والاستمرار برسالتي، بأي طريقة. هذه الرسالة ليست منفصلة عن إيام عطا الزير، هي فترة مقاومة، كاملة متكاملة. لذلك، يتساءل اليوم كثيرا من الصحافيين حول نوعية الثقافة التي تلقيناها في الأسر حيث يناقش الأسير موضوعات كثيرة.

إنني في مرحلة جديدة اسمها الإبعاد والغربة. كيف سأعيش هذه المرحلة ؟ بمواصلة المقاومة وتحصين النفس، تحصين البيت والاستمرار برسالتي

الوضع الحالي في الضفة الغربية ومحاولات كي الوعي

في العام 1987 أو قبل ذلك، لم يوجّه أحد المقاومة لأن عندما تثور الشعوب، تلحقها القيادات. قياداتنا السياسية وغيرها متأخرة على الشعب، الذي يصبر ثم ينفجر. بتقديري الشخصي، الشعب الفلسطيني شعب ولاّد، لا بد أن ينفجر، دون تخطيط مسبق، حتى "الإسرائيلي" مقتنع بذلك، لذلك يدخل جنوده الى البيوت يوميا مرعوبين، كما لم يخطط أحد لانتفاضة 1987، فهبّت الناس بعد حادثة المقطورة وتم اطلاق مصطلح الانتفاضة.

هناك بالفعل حالة إحباط اليوم، حاضنة المقاومة السابقة غير موجودة، والسلطة تلاحق المقاومين، واختلفت نوعية المقاومة عما كانت من قبل، فتغيّرت أمور كثيرة، هو واقع مرير فعلا، لكنني ما زلت متفائلا لأن عندما اندلعت الانتفاضة الأولى كانت الناس مُحبطة أيضا وأكثر، فكان الشباب يجلسون على شواطئ حيفا وتل ابيب، غير مكترثين بما يحصل، ثم اندلعت الانتفاضة، هذا الشعب ولاّد. إضافة الى محاولات كيّ وعي المجتمع الفلسطيني، كما حصل في منطقة طولكرم، وإبعاده عن فكرة المقاومة. عندما تترك السلطة الناس المهجّرة من المخيمات دون مساعدة أو احتضان أو رعاية، هذا يعني أن السلطة تخشى ظهور شخصا مثل أبو شجاع وتلعن اليوم الذي خرج فيه أبو شجاع (4). ثم قطعت السلطة معاشات الأسرى حتى لم يعد يفكّر أحد بالمقاومة. بهذه الطرق، تحاول السلطة كيّ وعي أبناء الشعب الفلسطيني.

الهوامش

  1. ولد الشهيد القائد أنور عبد الغني (1969-2002) في صيدا إلى الشمال من مدينة طولكرم في العام 1969م. عاش منذ نعومة أظافره على العزة والإباء والكرامة، كان دائماً صوتاً للحق مناديا للإسلام عاشقاً للشهادة. بدأ مشواره الدراسي في مدارس قريته صيدا، فبرغم الإعاقة التي كان يعاني منها في رجله والظروف التي ألمت به إلا أن الشهيد أصر على إكمال مشواره الدراسي. كان الشهيد البطل أنور صاحب صفات عظيمة. يتردد على المسجد محافظاً على الصلوات وكان صادقاً وشهماً حيث عرف عنه حسن الخلق والكرم. كان الشهيد البطل يمتاز بحسن الخط وإتقان الرسم، فقد كانت جدران صيدا دائماً مشتاقة لرسومات الشهيد ومخطوطاته التي كانت تتزين بها. بدأ أنور يغرس بذور "الجهاد الإسلامي" في قريته مع إخوانه المجاهدين.. ومع بداية انتفاضة الأقصى، أعلن الشهيد في بلدته عن ميلاد السرايا. فكانت رحاب صيدا وباقة الشرقية مسرحاً لعملياتهم البطولية التي نفذوها.. بتاريخ 15/02/2002 حاصرت القوات الغازية منزل الشهيد أنور عبد الغني وأخذوا ينادون بمكبرات الصوت مطالبينه بتسليم نفسه والخروج رافعاً يديه، إلا أنه ردّ عليهم بأزيز الرصاص وأمطرهم بما ملكت يمينه من ذخيرة، وبدأت المواجهة واستمر الاشتباك لعدة ساعات، فتمكن الشهيد القائد أنور من قتل قائد وحدة الدوفدوفان "القوات الخاصة" (ايال فايس) وجرح العديد من الجنود، وبعد نفاد ذخيرة الشهيد ارتقي إلى العلا. (سرايا القدس، الإعلام الحربي، مقتطفات) ↩
  2. ولد الشهيد القائد أحمد سليمان فريد رداد (1974-2006) في تاريخ 6/7/1974م، في بلدته صيدا قضاء طولكرم، ودرس في مدارسها حتى الصف العاشر. اعتقل الشهيد القائد رداد في العام 1997 وقضى بضعة أشهر خلف القضبان، وما كاد يتنشق أنسام الحرية حتى يعاد اعتقاله في سجون السلطة الفلسطينية. عاش حياة المطاردة أثناء انتفاضة الأقصى، غادر بلدته صيدا عام 2004 وقضى وقته متنقلا بين طولكرم وجنين والأحراش المحيطة بالمدينتين، وتكرّرت محاولات اغتياله، فقد أُدرج اسمه من بين المطلوبين للتصفية ونجا بالفعل من عدة محاولات، الى أن استقر به المطاف في مدينة نابلس. توغلت قوة كبيرة من جيش الاحتلال والوحدات الخاصة في نابلس بعد منتصف الليل الموافق 7 - 2 - 2006م وقصفت الشقة المتواجد فيها (الإعلام الحربي، مقتطفات) ↩
  3. الشهيد المجاهد حافظ حسين محمد أبو معلا (1971- 1995) من مواليد قرية قباطية بتاريخ 22-3-1971م . فكان عدد أسرته 13 فردا، والشهيد حافظ هو ثالث إخوته. درس في مدرسة قباطية للبنين وأتم دراسته حتى الصف التاسع فخرج من المدرسة ليعمل مع والده. شارك في بدايات عمل مجموعة "عشاق الشهادة" بقيادة الشهيد عصام براهمة. للشهيد حافظ أبو معلا الشرف في اعداد الأحزمة والعبوات الناسفة مع الشهيد صالح حمامدة، وشارك معه في عدة عمليات عسكرية على دوريات جيش الاحتلال، الأمر الذي عرضه للاعتقال في بداية عام 1991م وتعددت فترات اعتقاله ثلاث مرات لثلاث سنوات ابتداء من سجن النقب في بداية التسعينات وحتى سجن جنين. في مساء يوم 17-3-1995م كان الشهيد حافظ أبو معلا مع الشهيد صالح حمامدة قد أعدا وجهزا أنفسهما بأحزمة ناسفة وكانا مزودين بعبوات ناسفة وذهبا للقيام بعملية استشهادية. وفي الطريق الواقعة بين الزبابدة ومسلية، تم العثور على جثتي الشهيدين حافظ وصالح وقد استشهدا بنيران الاحتلال أثناء توجههما لعملية التفجير. ↩
  4. الشهيد محمد جابر الملقب أبو شجاع (1998- 2024) ولد في يوم 6/12/ 1998 في مخيم نور شمس حيث عاش طفولته وتعلم في مدارسه، لكنه لم يواصل تعليمه، وهو الشاب الأوسط بين 5 أشقاء. هجرّت عائلته من مدينة حيفا عام 1948. شارك مع الشهيد سيف أبو لبدة بتأسيس كتيبة طولكرم – سرايا القدس، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، شمال الضفة الغربية، في العام 2022. وبعد استشهاد سيف أبو لبدة بتاريخ 2/4/2022، قاد محمد جابر الكتيبة وطوّرها بشن هجمات وخوض اشتباكات مع قوات العدو المقتحمة لطولكرم. ساهم في تطوير الأساليب القتالية والتدريبية للمقاومين في الكتيبة. أمضى "أبو شجاع" خمس سنوات في سجون العدو في اعتقالين اثنين، كان أولهما وهو يبلغ من العمر (17 عامًا)، ولاحقته قوات العدو واتهمته بالوقوف خلف العديد من العمليات. تعرّض أبو شجاع لمحاولات اغتيال عديدة، وأعلن عن استشهاده في شهر ابريل/نيسان 2024، ثم خرج محمولًا على الأكتاف في تشييع شباب المخيم بعد غارة معادية دامية، كما واجه تضييقات شديدة من السلطة الفلسطينية التي حاولت اعتقاله أكثر من مرّة، حيث تمكنت حشود من المواطنين في يوم 26 يوليو/تموز 2024 من إخراجه من المستشفى الحكومي في مدينة طولكرم، بعد حصار الأجهزة الأمنية الفلسطينية له ومحاولة اعتقاله. حظي "أبو شجاع" بشعبية واسعة والتفاف جماهيري حوله. استشهد 29/8/2024 من جراء عملية اغتيال خلال اقتحام جيش العدو لمخيم نور شمس، ونعته حركة الجهاد الإسلامي وقالت ان "أبو شجاع بقي رمزا للشجاعة والمقاومة حتى لحظة استشهاده". ↩
ه

المزيد من المقالات