مع المحرّر باسل مخلوف
ولد في 18/8/1977 في صيدا قضاء طولكرم، واعتقل في يوم 15/2/2002. يسرد بدايات العمل المقاوم والصمود في السجون الصهيونية
"ولدت في قرية صيدا، قضاء طولكرم، قبل الانتفاضة الأولى. في العام 1986، عندما كان عمري 10 سنين، تم اعتقال أبي. أخذه الجيش بعد اقتحام البيت في الليل. أن تشاهد أبيك يؤخذ بهذا الشكل أمام طفل نمّا لديّ غريزة الانتقام. اعتقل لمدة ثلاثة أيام في مركز طولكرم، وعندما جاء الجنود في ثاني يوم لأخذ السيارة التي على أساسها تم اعتقاله، بدأت أرشقهم بالحجارة. بعد بضعة أشهر، اندلعت انتفاضة الحجارة. كنا نرشق الحجارة مع أشبال وأولاد البلدة على الجيش. هكذا دخلنا في الانتفاضة. يوما، انا وأبو الليث (جاسر رداد) ومجموعة من الشباب أطلقنا النار على مركز الإدارة المدنية، وفي يوم الأرض نزلنا الى باقة الشرقية لنرشق الحجارة. صقلت انتفاضة الحجارة عند الطفل الصغير الشراسة ضد الاحتلال، وجعلت من الطفل والشبل الفلسطيني إنسانا يتحداه.
بعد بضعة سنوات، في 94 -95، تحوّلت حركة فتح، وكان قد تم التوقيع على اتفاق أوسلو. كنت انتمي لأشبال حركة فتح ونشب خلاف على أثر الاتفاق بيني وبين شبابها، فتركت "فتح" كليا. ثم تزوّجت. في أحد الأيام، جاء أبو شادي الله يرحمه - الشهيد أحمد عجاج (1)، طلب مني أن نعمل شيئا ضد الاحتلال. لم أفكر مرتين. بعدما سألت عن الجهة المسؤولة، قال لي أولا مع "حزب الله"، لم أعارض، كنت أريد تنظيما مقاتلا، ثم قال لي مع "الجهاد الإسلامي" قلت "نِعم الخيار". طلبت سلاحا متطورا، أعطاني أولا خراطيش، لكن فيما بعد، أعطاني ام 16. بعد تدريب بسيط، أردتُ مقاتلة المحتلين اليهود مباشرة، فصرنا نتدرّب باطلاق الرصاص على اليهود. هذا كان بداية عملنا. صرتُ اشتغل مع الشهيد أنور عبد الغني، والشهيد شفيق عبد الغني والشهيد أحمد عجاج، والشهيد رائد عجاج، والشهيد زاهر الأشقر وأبو الليث، انخرطنا في العمل، كنا من مجموعة الشهيد أسعد دقة.
طلبت سلاحا متطورا، أعطاني أولا خراطيش، لكن فيما بعد، أعطاني ام 16. بعد تدريب بسيط، أردتُ مقاتلة المحتلين اليهود مباشرة، فصرنا نتدرّب باطلاق الرصاص عليهم. هذا كان بداية عملنا
مرحلة السجن
"كان أكبر تحوّل لدي وإصراري على القتل، بعد استشهاد ايمان حجو (استشهدت في عمر أربعة أشهر 2001) (2)، عندما رأيت الشهيدة والصاروخ في صدرها، وعمرها كعمر أحمد ابني. شعرت ان أحمد ابني هو الذي قُتل، فعزمت على القتال. وبعد استشهاد أسعد دقة، طلب مني أبو الليث الثأر له، قلت أنني جاهز. لن أسرد كل تفاصيل هذه المرحلة، المهم أنه كنا نريد مقاتلة اليهود، ونشتبك معهم في مناطق قريبة جدا. خلال شهر رمضان مثلا، لم نكن نصلي في المسجد، بل في البيت لكي نخرج بسرعة لمقاتلة اليهود، أنا وأبو شادي، وشفيق وأنور، وأحمد عجاج وأحيانا كان زاهر، وذلك قبل خروج الناس من المسجد. وفي خصوص تنفيذ عملية القتل، كنت مع أبو شادي وأبو الليث في باقة الشرقية.
في السجن
"لا شك ان المرحلة صنعت شيئا رائعا جدا داخل المقاتل. بالنسبة لي، أكملت دراستي في السجن، وتنظيميا، بدأنا نتعلم المفاهيم التنظيمية كأساسيات الحركة والأساسيات في الفقه والعقيدة، كل هذه الأمور الدينية، الى حين دخول الجامعات الى السجن، فدرست العلوم الاجتماعية وحصلت على شهادة البكالوريوس، ثم في مادة التاريخ، ثم ماجيستر في العلوم الاجتماعية حتى وصلنا الى 7 أكتوبر. كنا ننتظر الحرية بفارغ الصبر، بعد السابع من أكتوبر، إذ ذهلنا من المشهد وبكينا من الفرح بسبب الذي حدث، لم نكن نتخيّله، أن يكون أسر الجنود الصهاينة بهذا الحجم، كنا نتوقع جندي او جنديين او ثلاثة، لكن 200 أو 250 جندي، فكان هذا الخبر مذهلا. تأملنا أن يتم الإفراج عنا جميعا. كنا أول دفعة من الأسرى المحرّرين. التقيت بأبي الليث في البوسطة، وتحررنا سويا. لكن عندما يتحرر أسير، الفرحة تبقى ناقصة، فعلا، كنا منتظرين استمرار المفاوضات لتحرير الدفعات الأخرى، فتركنا أخواننا في السجن، ما زلنا نتذكّرهم، نحمد الله دائما ان ربّنا أكرمنا بالمقاومة، وأكرمنا بالحرية، لكن ما زال أخواننا في الأسر، وربما لا يعرفون أن الحرب انتهت، ولم يعد هناك مجال للتفاوض لنيل حريتهم. عندما قرّر بن غفير (وزير في كيان العدو) إعدام الأسرى، قلنا من ناحية أن الإعدام أهون عليهم من البقاء في السجن، خاصة في الظروف القاسية التي يعيشونها في هذه المرحلة. أصلا كنا لا نطيق الأسر والسجون قبل الحرب، أما اليوم حيث التعذيب الوحشي الممنهج وغياب أفق التحرير، فهذا الشيء صعب جدا لهم، لهذا أقول أن الإعدام قد يكون أهون. لكن ان شاء الله يحصل شيء في هذا الوطن يسهم في تحريرهم.
تقييم الوضع الفلسطيني والمقاومة
المقاومة بلا شك رائعة جدا وشعبنا معطاء، والذي يريد تحرير وطنه لا بد من أن يدفع ثمنا، لكن مشكلتنا تُكمن في القيادة الفلسطينية. منذ ثورة 1936، وخلال كل تاريخنا، لدينا مقاومين أشداء، لكن لم يتم استثمار هذه المقاومة. لم يتحوّل النتاج العسكري الى موقف سياسي. من الطبيعي أن ما تنجزه المقاومة تحصده السياسة، لكن للأسف الشديد، لدينا قيادة فلسطينية ليست كفوءة لتحقيق الإنجازات التي حققتها المقاومة.
القيادة الفلسطينية مرتبطة بالأنظمة العربية ومن الصعب جدا ان تنفك عنها. لذلك، ما زلنا نعتمد على محور المقاومة، لكن الظروف السياسية أكثر تعقيدا من الأوضاع التي يعيشها محور المقاومة اليوم، لقد شاركت أمريكا وأوروبا ودول عربية في قتل هذا المحور وتفتيته، وسيبقى محور المقاومة البديل عن هذه الأنظمة الفاسدة التي لا تحرّر لا الوطن ولا الانسان ولا حتى نفسها ليكون لديها قرارا سياسيا مستقلا. اليوم، المثل الأوضح حول وضع الدول العربية، هو وضعنا كأسرى تحرّروا من السجن وأُبعدوا الى خارج البلاد، لا نجد أي دولة عربية تستقبلنا، باستثناء مصر. من ناحية أخرى، لا يمكننا الذهاب الى أي دولة قد تستضيفنا كونها في محمور المقاومة، لأني لست بمفردي وقراري ليس شخصي، بل عائلي، أي المهم ان تتمكن عائلتي من العودة الى فلسطين بعد زيارتي في مكان الإبعاد، لا أريد ترحيل العائلة عن الوطن. هذه مأساة الدول العربية والإسلامية اليوم.
تبقى غايتي تحرير وطني، وعدم التنازل عن شبر من أرضي، و"الجهاد الإسلامي" وسيلة لتحرير الوطن. انتمائي هو أولا لوطني وللمقاومة في وطني بغض النظر عن التنظيم المقاوم،

من حركة فتح الى حركة الجهاد الإسلامي
هناك جزء من شباب "فتح" "نظاف" بالمعنى السياسي، ويحبون المقاومة. كان د. رمضان شلح وحدويّا، أي غير متعصّبا لتنظيمه، وشباب "الجهاد الإسلامي" قريبون من الكل ، بسبب شيء واحد : البندقية الذي يحملها "الجهاد الإسلامي" موجهة فقط ضد الاحتلال. نقول لشباب "فتح" أن الفكر او البندقية التي كان يحملها أبو جهاد (قيادي في حركة فتح اغتاله كيان العدو خلال الانتفاضة الأولى، 1988، في تونس) تحملها الجهاد الإسلامي، لكن اسلَمتها، أصبحت بندقية إسلامية. هذا ما جعل أبناء "فتح"، وخاصة المتديّنين منهم، ان يلتحقوا بحركة الجهاد الإسلامي. لم تكن "حماس" بالعقلية ذاتها، كانت مختلفة و"متحزّبة" للتنظيم. دمج فكر "الجهاد الإسلامي" ما بين الإسلام والبندقية، وباتت البندقية إسلامية وطنية. الانسان المتديّن داخل "فتح" يلتقي مع فكر "الجهاد الإسلامي" وهو الأقرب إليه. كُثر من أعضاء "الجهاد" كانوا "فتح"، مثل انا وزاهر ورائد، حتى شفيق وأبو شادي، كانوا في الأصل "فتح"، فقط أبو الليث وأنور عبد الغني انتميا الى حركة الجهاد الإسلامي من الأساس. كانا في الأصل "جهاد" في حين جاء الغالبية (في صيدا على الأقل) من "فتح". والى اليوم، حتى اثناء العمل العسكري، بقي "الجهاد الإسلامي" وكتائب شهداء الأقصى بندقية واحدة.
أداء حركة الجهاد الإسلامي أكبر من حجمها
لا تعكس التغطية الإعلامية الأداء الفعلي لحركة الجهاد الإسلامي، ذلك لأن صدى عملها كان أكبر منها. اذا قّدرنا الحركة بعدد أعضاءها في طولكرم مثلا، نجد أن عملهم أكبر من حجمهم العددي، لكن كانوا أكثر تنظيما من "فتح" و"حماس". كان دائما عمل "الجهاد الإسلامي" أكبر من حجمه. في انتفاضة الأقصى، كم كان عدد المقاتلين في "الجهاد الإسلامي" ؟ 500 ؟ ألف ؟ العمل الذي قاموا به أكبر من حجمهم، كانت تُنفذ عمليات كثيرة للجهاد الإسلامي مشتركة مع الفصائل، وكانت الحركة تموّل جزء منها، في السلاح والعتاد، وخاصة كتائب شهداء الأقصى. لم يعلن أحد عن ذلك، لأن كان هدفنا مقاتلة العدو أساسا.
ونقول أيضا اننا نقاتل من أجل فلسطين. لم ولن أجعل القضية أقل شأنا من حركة الجهاد الإسلامي لأن فلسطين أكبر من "الجهاد الإسلامي" ومن كل التنظيمات. تبقى غايتي تحرير وطني، وعدم التنازل عن شبر من أرضي، و"الجهاد الإسلامي" وسيلة لتحرير الوطن. انتمائي هو أولا لوطني وللمقاومة في وطني بغض النظر عن التنظيم المقاوم، إن كان "شعبية"، ماركسي، وطني، علماني. عندما أعلن عن "تعصّبي" للجهاد الإسلامي، أُقزّم فلسطين، بعظمتها وقدسيتها، وأضعها في "الجهاد الإسلامي"، لكن فلسطين أكبر من الكل..اليوم، المقاومة الفلسطينية باقية، في حين ذهبت كثير من الإيديولوجيات والحركات، ويظل التنظيم الإسلامي الحامل لهذا اللواء بمشيئة الله، لن ينكسر لأن لواءه إسلامي وهدفه تحرير الوطن. لا شك ان البندقية مرتبطة بالعمل السياسي، ولكن في هذا العالم اليوم ليس لنا إلا المقاومة، نعرف أننا لن نحرّر فلسطين ولكن المقاومة تفرض نفسها على العالم كله. لقد علمتنا ظروف هذه الحرب كثيرا، ومن ناحية أخرى، يجب ان يظل محور المقاومة قائما وفارضا نفسه على العالم.
الهوامش
- ولد الشهيد القائد أحمد عجاج في قرية صيدا سنة 1970م، لأسرة فلسطينية مكافحة تحمل معها منذ زمن حب الوطن... ترعرع الشهيد في أسرة محافظة زادها التقوى والورع، كان الخامس بين إخوانه، درس في مدارس قريته صيدا حتى أنهى الثانوية العامة، ثم بدأ الشهيد بالعمل من أجل مساعدة الأسرة. ابتدأ مشواره الجهادي في الانتفاضة حيث اعتقل في سجون الاحتلال. كان الشهيد من أوائل من شارك في انتفاضة الأقصى وعمل مع الشهيد القائد أسعد الدقة والشهيد القائد أنور عبد الغني قائد سرايا القدس في طولكرم، وكان ممن قاموا بقتل مجموعة من الجنود الصهاينة في قرية باقة الشرقية. فكان مهندس السرايا في تصنيع المتفجرات. عمل على توسيع العمل العسكري ودرّب سرايا جديدة على العمل الجهادي، فمن زرع العبوات إلى إطلاق النار على المستوطنين ونصب الكمائن لجنود الاحتلال في كل مكان. بتاريخ 30/3/2002م تم محاصرة بيت يتحصن فيه الشهيد وابن عمه ورفيق دربه الشهيد عزمي عجاج وتم اغتيالهم. (مقتطفات عن موقع سرايا القدس) ↩
- الشهيدة الطفلة إيمان محمد حجو (رضيعة لم تكمل شهرها الخامس) من محافظة خانيونس، استشهدت بتاريخ 2001-05-07 في خانيونس اثر استهداف مباشر بالرصاص الحيّ أطلقه جيش الاحتلال. "عانت عائلة إيمان من الاحتلال عبر فصول مختلفة، فوالد إيمان، وقبل استشهاد طفلته بستة أشهر، أقعدته رصاصات الاحتلال، لتكتمل فصول المأساة بين أم جريحة ووالد مقعد وطفلة شهيدة، وليصبح بيت إيمان، كما كل بيوت الشهداء الفلسطينيين، تزيّن أحد جدرانه صورة الشهيد .. القذيفة التي اخترقت جسد الطفلة إيمان كانت، وما زالت، امتداداً للمجازر التي ارتكبها الاحتلال الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني، فالصورة التي ظهرت فيها إيمان هزت مشاعر الشعب الفلسطيني الذي عانى في كفر قاسم ودير ياسين وصبرا وشاتيلا، وما زال يعاني في غزة والضفة والداخل المحتل". (2022، ثائر أبو عياش) ↩